جدل برلماني حول رفع أسعار المحروقات واستمرار القلق من السياسات الاقتصادية
جدل برلماني حول رفع أسعار المحروقات والقلق الاقتصادي

جدل برلماني حاد حول رفع أسعار المحروقات واستمرار القلق من السياسات الاقتصادية

لا يزال قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات يثير جدلاً واسعاً، حيث وصلت أصداؤه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، الذي تحدث صراحة في هذا الأمر خلال إفطار الأسرة المصرية. وفي هذا السياق، برز صوتان من داخل مجلس النواب يعكسان بوضوح حالة القلق المتزايدة في الشارع المصري إزاء المسار الاقتصادي الراهن.

بيانات عاجلة من البرلمان تعبر عن قلق المواطنين

تقدم الاقتصادي والأكاديمي رضا عبد السلام ببيان عاجل للبرلمان، انتقد فيه توقيت القرار وتداعياته على المواطنين. كما تقدم النائب ضياء الدين داود ببيان مماثل، مستنداً إلى أحكام الدستور التي تكفل للنواب حق مساءلة الحكومة والتنبيه إلى القرارات التي تمس حياة المواطنين مباشرة. وبين البيانين، تتشكل صورة واضحة لحالة من القلق المشروع: هل أصبح رفع الأسعار هو الأداة شبه الوحيدة لإدارة الأزمات الاقتصادية في مصر؟

إن المواطن المصري الذي يواجه منذ سنوات موجات متتالية من الغلاء، لم يعد ينظر إلى قرارات رفع أسعار الوقود باعتبارها مجرد إجراءات مالية محدودة الأثر، بل يراها مقدمة لسلسلة جديدة من الزيادات في تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات. فكل زيادة في الوقود تمتد آثارها إلى كل بيت، لأن الوقود هو شريان الحركة الاقتصادية، ومن ثم فإن رفعه يفتح الباب تلقائياً لموجة تضخم جديدة تزيد من تآكل القوة الشرائية للدخول.

تساؤلات اقتصادية عميقة حول جدوى السياسات الحالية

ومن هنا جاء اعتراض البيانين، لا باعتباره اعتراضاً سياسياً فحسب، بل بوصفه تساؤلاً اقتصادياً عميقاً حول جدوى الاستمرار في السياسات نفسها التي قادت إلى النتائج ذاتها. لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن الاقتصاد لا يمكن أن يستقيم إذا كانت معالجاته تعتمد أساساً على رفع الأسعار وتقليص الدعم واللجوء المستمر إلى القروض، لأن هذه السياسات قد تخفف الضغوط على الموازنة العامة مؤقتاً، لكنها في الوقت نفسه تضع ضغوطاً اجتماعية هائلة على المواطنين.

وكثيراً ما ارتبطت هذه المعالجات ببرامج إصلاح اقتصادي تقترحها مؤسسات مالية دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، وهي برامج تقوم في جوهرها على إجراءات مالية سريعة مثل تحرير الأسعار وتخفيض الدعم. غير أن التجربة في دول عديدة أثبتت أن هذه الوصفات لا تحقق النجاح إلا إذا اقترنت بسياسات إنتاجية قوية، وإلا تحولت إلى عبء اجتماعي يثقل كاهل المجتمع دون أن يعالج جذور المشكلة الاقتصادية، كما هو الحال عندنا.

أسئلة ملحة حول العدالة في السياسات الاقتصادية

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: لماذا تتحول الأزمات العالمية دائمًا إلى مبرر لرفع الأسعار في الداخل، بينما لا نشهد انخفاضاً مماثلاً حين تتحسن الظروف العالمية؟ ولماذا يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح الاقتصادي؟ إن هذه الأسئلة ليست مجرد اعتراضات عاطفية، بل هي تساؤلات منطقية ينبغي أن تجد إجابات واضحة لدى حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، لأن أي سياسة اقتصادية لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق التوازن المالي، بل بقدرتها أيضاً على حماية الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة.

رؤية بديلة: إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية

إن الطريق الحقيقي لإنقاذ الاقتصاد المصري لا يمر عبر بوابة رفع الأسعار، بل عبر إعادة بناء هيكل الاقتصاد على أسس إنتاجية واضحة. فالدولة التي تريد تقليل الضغوط على عملتها لا بد أن تقلل اعتمادها على الاستيراد عبر تشجيع الصناعة المحلية، لأن كل سلعة تُنتج داخل البلاد تعني عملة أجنبية أقل تُنفق في الخارج وفرص عمل أكثر تُخلق في الداخل. كما أن تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الزراعي في السلع الأساسية يظل ضرورة استراتيجية، فالأمن الغذائي ليس مجرد قضية اقتصادية بل قضية سيادة وطنية، خاصة في عالم تتزايد فيه الاضطرابات السياسية والاقتصادية.

وإلى جانب ذلك، يصبح من الضروري إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بحيث توجه الموارد إلى المشروعات الإنتاجية التي تولد دخلاً حقيقياً وتزيد القدرة التنافسية للاقتصاد، لا إلى مشروعات تستهلك الموارد دون أن تضيف قيمة اقتصادية مباشرة. كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يظل أحد أهم مفاتيح تنشيط الاقتصاد المحلي، لأنها الأسرع في خلق فرص العمل والأكثر قدرة على الانتشار في مختلف المحافظات.

دعوة لتحقيق العدالة الضريبية ومراجعة المسار الاقتصادي

ولا يقل أهمية عن ذلك تحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية، بحيث تتحمل الفئات الأعلى دخلاً نصيباً أكبر من الأعباء العامة، بدلاً من ترك العبء الأكبر على كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة. إن تجارب دول كثيرة في العالم أثبتت أن الخروج من الأزمات الاقتصادية لا يتحقق برفع الأسعار، بل بزيادة الإنتاج. فالدول التي نجحت في تحقيق نهضات اقتصادية حقيقية مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية والصين، لم تبن نجاحها على إثقال كاهل مواطنيها بالضرائب والزيادات، بل على دعم الصناعة والتصدير والاستثمار في التعليم والإنتاج.

ومن ثم، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استلهامه هو أن السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن تُبنى على إجراءات مالية سريعة بقدر ما ينبغي أن تُبنى على رؤية تنموية طويلة المدى. ولذلك، فإن الرسالة التي تعكسها البيانات العاجلة داخل البرلمان اليوم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد اعتراضات سياسية، بل باعتبارها تنبيهاً مبكراً إلى ضرورة مراجعة المسار الاقتصادي قبل أن تتسع الفجوة بين السياسات الاقتصادية واحتياجات المجتمع.

فالأمم التي تسلك الطريق نفسه ستصل حتماً إلى النتائج نفسها، أما الأمم التي تملك شجاعة مراجعة سياساتها وتصحيح مسارها، فهي وحدها القادرة على أن تفتح لنفسها طريقاً جديداً نحو الاستقرار والرخاء. ويبقى أن تعمل الحكومة بما قاله الرئيس، فلا يمكن الاستمرار في سياسة الاقتراض بالدولار، فتلك دوامة لا يمكن الفكاك منها.