الحوثيون في مفترق طرق: كيف توازن بين الولاء لإيران وحسابات البقاء في اليمن؟
الحوثيون بين إيران واليمن: اختبار استراتيجي مركب

الحوثيون في مفترق طرق: كيف توازن بين الولاء لإيران وحسابات البقاء في اليمن؟

مع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية عقب الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، والرد الإيراني الذي طال أهدافًا في عدة دول عربية، تتجه الأنظار نحو سلوك الفاعلين غير الدولتيين المرتبطين بطهران، وعلى رأسهم جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن. فالجماعة التي تحولت خلال الأعوام الماضية إلى أحد أبرز أذرع ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، تجد نفسها اليوم أمام اختبار استراتيجي مُركب ومعقد للغاية.

معضلة التوفيق بين الالتزام الأيديولوجي والبقاء الداخلي

كيف توفّق الجماعة بين التزاماتها الأيديولوجية تجاه إيران، وحسابات بقائها في الداخل اليمني، وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية المتشابكة؟ بشكل أولي، جاءت التصريحات الأولى لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي حَذِرة من حيث الشكل، لكنها داعمة من حيث المضمون. فقد أكد الاستعداد "لكل التطورات"، مشددًا على قوة إيران وقدرتها على الرد، مع دعوة إلى تحركات شعبية تضامنية، كما لوّح المجلس السياسي الأعلى بتوسيع دائرة المواجهة إذا توسعت دائرة الاستهداف.

غير أن القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف جوهر المعضلة التي تواجهها الجماعة ما بين متطلبات إظهار الالتزام بمحور طهران من جهة، وتجنب إعلان انخراط مباشر وفوري في حرب مفتوحة من جهة أخرى. لا سيما أن الحديث عن "التحرك في مختلف الأنشطة" يترك هامشًا واسعًا للتدرج في الرد، دون تحديد طبيعة أو مستوى الانخراط الدقيق. ولعل في هذا الغموض ما قد يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تصعيد واسع قد يعيد الجماعة إلى دائرة الاستنزاف العسكري والاقتصادي التي عانت منها بشدة خلال العامين الماضيين.

تجارب سابقة وتأثيرات متناقضة

لقد انخرط الحوثيون خلال الحرب الإسرائيلية على غزة من خلال مواجهات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة واستهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد أدى ذلك إلى عسكرة أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا، لكنه في المقابل استجلب ضربات جوية مكثفة أمريكية–بريطانية–إسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية ومراكز القيادة الحيوية.

ورغم التهدئة التي أسفرت عنها الوساطة العُمانية بين واشنطن والجماعة في مايو 2025، فإن تجربة التصعيد تركت أثرين متناقضين: تعزيز صورة الحوثيين إقليميًا كفاعل قادر على التأثير في معادلات البحر الأحمر، في مقابل إضعاف قدراتهم ميدانيًا واقتصاديًا نتيجة الضربات والعقوبات المشددة. ولهذا تبدو الجماعة أكثر وعيًا بكلفة الانخراط في مواجهة مفتوحة، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي في مناطق سيطرتها المباشرة.

السياق الداخلي والضغوط المحلية

غير أن هذا النهج البراجماتي الذي تتبناه الجماعة لا ينفصل عن السياق الداخلي المتوتر. فالحكومة اليمنية كثّفت في الآونة الأخيرة خطابها العسكري، متحدثة عن توجه العمليات نحو صنعاء، بالتوازي مع تغيرات ميدانية تمثلت في استعادة مناطق مهمة شرق البلاد. كما صدرت تحذيرات رسمية من استخدام الأراضي اليمنية منصة لصراعات إقليمية، الأمر الذي قد يضع الجماعة أمام معادلة أمنية حساسة للغاية.

أي أن التورط في الحرب الإقليمية قد يفتح نافذة لخصومها المحليين لاستغلال انشغالها أو إنهاكها عسكريًا. وفي المقابل، قد ترى الجماعة أن نتائج المواجهة مع إيران ستنعكس مباشرة على مستقبلها الاستراتيجي، ما يدفعها إلى الانخراط دفاعًا عن بيئتها الاستراتيجية الأوسع التي تشكل إيران جزءًا أساسيًا منها.

موقف المجتمع الدولي وعامل الضغط

بجانب ذلك، يبرز موقف المجتمع الدولي من الاضطرابات المعيقة لحركة الملاحة بالبحر الأحمر وخليج عدن كعامل ضغط رئيسي في حسابات الجماعة. لاسيما وأن خبرة العاميين الماضيين قد أثبتت أن استهداف الملاحة الدولية لا يُنظر إليه كجزءٍ من نزاع إقليمي محدود، بل كتهديد مباشر للأمن الاقتصادي العالمي ولسلاسل الإمداد والطاقة الحيوية.

وقد أدى ذلك سابقًا إلى تشكيل تحالفات بحرية دولية، وتصعيد عسكري متعدد الأطراف، وفرض عقوبات إضافية قاسية. وعليه، تدرك جماعة الحوثي أن أي عودة واسعة لاستهداف السفن قد تستجلب ردًا دوليًا يتجاوز الولايات المتحدة وإسرائيل ليشمل قوى أوروبية وآسيوية متضررة من تعطّل الممرات الملاحية. بما يجعل البحر الأحمر ساحة ذات حساسية خاصة، حيث لا تقتصر كلفة التصعيد على البعد العسكري، بل تمتد إلى ضغوط سياسية واقتصادية تؤثر بالضرورة على حركة الجماعة وقدرتها على إدارة مناطق سيطرتها بفعالية.

سيناريوهات محتملة للمستقبل

ورغم هذه الاعتبارات الضاغطة، لا يمكن استبعاد انخراط الجماعة في مسار المواجهة، ولو بصورة محدودة ومدروسة قابلة للتصعيد التدريجي الذي تحدده ردود الفعل الإقليمية والدولية، مع إبقاء هامش للمناورة قائمًا. وربما يتشابه ذلك مع موقف حزب الله حين أطلق مؤخرًا رشقات صاروخية محدودة باتجاه شمال إسرائيل بهدف إرسال رسائل دعم لإيران.

غير أن مثل هذا الانخراط المحدود قد يتحول إلى تصعيد أوسع بمرور الوقت، تبعًا لتطورات الميدان وطبيعة الردود المقابلة ومدى اتساع رقعة الصراع بين طهران وخصومها. بشكل عام، فإن المعطيات الراهنة تضع موقف الجماعة بين أربعة سيناريوهات رئيسية:

  • الانخراط المحدود والمحسوب: من خلال إطلاق هجمات رمزية أو متقطعة ضد أهداف إسرائيلية أو سفن مرتبطة بها، دون الوصول إلى مستوى تصعيد يستدعي حملة عسكرية واسعة.
  • التصعيد البحري الواسع: من خلال العودة للاستهداف المكثف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ما قد يؤدي إلى ردود دولية قاسية.
  • الامتناع عن الانخراط المباشر: مع الاكتفاء بالدعم السياسي والإعلامي لإيران، وتجنّب العمليات العسكرية المباشرة.
  • فتح جبهات داخلية: للسيطرة على مناطق استراتيجية مثل مأرب، بهدف تعزيز الموارد وكسر الضغوط الاقتصادية.

الخلاصة: مفترق استراتيجي بالغ الحساسية

بوجه عام، ورغم أن "الانخراط المحدود والمحسوب" يبدو السيناريو الأقرب في المدى المنظور، فإن جماعة الحوثي تقف أمام مفترق استراتيجي بالغ الحساسية. حيث تضعها المواجهة مع إيران بين اعتبارات الانتماء لمحور طهران ومتطلبات البراغماتية السياسية الواقعية.

وبينما يدفعها تموضعها ضمن "محور المقاومة" إلى إظهار قدر من التضامن وربما المشاركة التدريجية، تفرض عليها تعقيدات الداخل اليمني وكلفة المواجهات السابقة حسابات أكثر تحفظًا وحرصًا. وعليه، يُرجَّح أن تبدأ الجماعة بمسار "تصعيد منضبط" يحافظ على حضورها في المعادلة الإقليمية من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

خاصة في ظل قناعة متزايدة لدى قيادتها بأن واشنطن وتل أبيب تمضيان بإصرار نحو تفكيك بنية "محور المقاومة" بشكل تدريجي. في المحصلة، لن يتحدد سلوك الحوثيين بميزان قوة إيران فحسب، بل بمدى قدرتهم على إدارة معادلة دقيقة يوازنون من خلالها بين ترسيخ موقعهم داخل المحور الإقليمي، من دون أن يغامروا باستقرارهم الداخلي أو يفتحوا جبهات تفوق قدرتهم على الاحتمال.