صناعة الوعي الزائف: هجوم منظم على الهويات الأصيلة
في عالم اليوم، أصبحت صناعة الوعي الزائف ظاهرة رائجة، تسيطر عليها بشكل كبير مؤسسات التمويل الغربي وفق خارطة طريق دقيقة. هذه الخارطة تتضمن مسالك ومناهج ودروبًا مرسومة بعناية لكل تيار من تيارات صُنَّاع الوعي الزائف، الذين يتوزعون بحسب الرايات والدعايات التي يختبئون خلفها.
شعارات براقة لتمويه خطاب التفكيك
يرفع هؤلاء الصُنَّاع شعارات براقة تهدف إلى التمويه على حقيقة خطابهم، الذي يسعى بشكل أساسي إلى تفكيك الهويات الأصيلة الجامعة للأمم والحضارات. هذا التفكيك يتم عبر الانسلاخ من الروابط الدينية والقيمية والثقافية واللغوية والاجتماعية التي تشكل تلك الهويات، وإحلال خطابات وهمية تغريبية محلها.
هذه الخطابات لا تنتج التزامًا أخلاقيًا أو دينيًا أو إنسانيًا حقيقيًا، بل تكرس في النهاية قيم حضارة جزيرة جيفري إبستين، المعروفة بانحطاطها الأخلاقي. وكان هؤلاء الصُنَّاع إلى عهد قريب يكادون ينحصرون في تيارات المادية بتشكلاتها العلمانية، مثل أدعياء التنوير وتجار الحداثة والعصرنة.
موجة جديدة: القراءات اللغوية المعجمية المشوهة
لكن فجأة، طفا على سطح الموج زبد جديد تحت راية القراءات اللغوية المعجمية للأحكام الدينية والآيات القرآنية. هذه القراءات تحول الآية القرآنية أو الحكم الديني – سواء كان تعبديًا أو تشريعيًا أو اعتقاديًا أو أخلاقيًا – إلى وجبة يتيمة على مائدة لئام.
يتقاذف هؤلاء الوجبة بمحتويات معاجم لغوية يجهلون خبايا تشابكات علاقاتها البنيوية بعضها ببعض، وتكاملها الشمولي. بالإضافة إلى هذا الإثم اللغوي، يقترفون خطيئة منهجية كبرى في عزل الآية القرآنية عن سياق النظم القرآني المتكامل، الذي يفسر بعضه بعضًا.
مثال صارخ: تأويل مشوه لآية غض البصر
سوف نكتفي اليوم بمثال واحد سيكون صاحبه هو موضوع الحلقة الثانية من سلسلة صُنَّاع الوعي الزائف. في هذا المثال، يقدم صاحب هذا الرأي ما يسميه قراءة وجودية تشخيصية للآية الكريمة في سورة النور: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ).
حيث يزعم أن غض البصر ليس إغلاق العين، بل فتح القلب على معنى الرحمة. وأن حفظ الفرج ليس كبت الغريزة، بل حفظ اللسان من كل ما يهتك الإنسانية. وأن «ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ» ليس وصفًا سلوكيًا، بل وعد بالارتقاء النفسي والوجودي.
جذور منبتة ومعارضة للنص القرآني
تلك القراءة ذات الجذور منبتة الأصول العلمية والمنهجية، في توحد واغتراب عن المعقول والمنقول. إذ تنتمي إلى ذلك النوع من التأويل الذي يفرغ الأحكام الدينية والقيمية والأخلاقية من حقيقتها ومضمونها الحارس لفضائل الطهارة والعفة والعفاف.
كما أنه يشرعن لللاأخلاقية والإباحية، التي تتفكك بها روابط المجتمع وتتمزق أواصره وقيمه التي تشكل أسس هويته. وإلى جانب الإثم اللغوي والخطيئة المنهجية، فإن هذا التأويل يعارض منطوق القرآن الكريم نفسه.
فالقرآن نص بآياته الجمة على أن البصر والأبصار ألفاظ صريحة في الدلالة على العين والرؤية البصرية، وأنها أداة إدراك حسي ذات مسؤولية يتحمل الإنسان عواقب توظيفها حسنًا أو سوءًا، كما في الآيتين: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، و(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
تأويل لفظ الفرج: تحريف واضح للمعنى
وكذلك الأمر في لفظ (الفرج)، الذي أولّه صاحب مثال الإثم اللغوي بأنه (الفم). فقد جاء النص القرآني بما يعارضه في التوظيف السياقي بنظرية النظم القرآني: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
فلو كان لفظ (الفرج) بمعنى (الفم) لأصبح المعنى إباحة وتحليل التجاوز والتعدي اللفظي والقولي بالإساءة والسب والقذف والشتم للزوجات، وهو ما يتناقض تمامًا مع روح القرآن وأحكامه الأخلاقية السامية.
هذا التحليل يسلط الضوء على خطر هذه القراءات المشوهة، التي تساهم في صناعة الوعي الزائف وتفكيك الهويات، مما يستدعي يقظة مجتمعية وعلمية لمواجهتها.