نَعْي العلمانية المصرية: رثاء فكر غريب في وطن التوحيد
نَعْي العلمانية المصرية: رثاء فكر غريب في وطن التوحيد

في مشهد فريد يعيدنا إلى حدث مؤثر عزيز على النفوس، حين بكى آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله الصغير بحرقة على أطلال الأندلس، ونهض كبار شعرائها كأبي البقاء الرندي والمعتمد بن عباد يذرفون دموع الحسرة والألم على تقطيع أوصالها وأفول نجمها، سكبوا أرواحهم الثكلى في أبيات حزينة خلدها التاريخ عنواناً للمأساة: "لماذا التقاطع في الإسلام بينكم؟ وأنتم يا عباد الله إخوان!"، و"فجائع الدهر أنواع منوعة، وللزمان مسرات وأحزان، وللحوادث سلوان يهونها، وما لما حل بالإسلام سلوان".

نعي العلمانية المصرية

في سياق مشابه، قام زميلي العزيز البروفيسور حسن حماد أستاذ الفلسفة بنعي مؤثر في مرثية موت العلمانية المصرية بسكتة دماغية نتيجة توقف آخر منصاتها، صالون "علمانيون"، منبهاً إلى ما سيترتب على ذلك من مخاطر محدقة باستقلال مصر وأمنها القومي والفكري. مما استوجب ضرورة محاولة استبيان حقيقة هذا المصاب الأيديولوجي المتوقع وغير المفاجئ، والوقوف على دواعيه والأسباب الطبيعية التي قادت إليه، وكذلك الآثار التي قد تترتب عليه.

لا تبتئس يا زميلي!

فلا تبتئس يا زميلي العزيز، ولا تخش شيئاً على المحروسة أم الدنيا. فما العلمانية إلا نبتة شيطانية نمت وترعرعت ووفدت إلينا من خارج وادينا المقدس طوى، وادينا الذي تجلى له الرحمن من عليائه، وكلم عليه الإنسان دون سائر البلدان والأوطان بجليل شعائر الهداية ومناهج الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان. فكان هذا الوطن أول من خط اسم الإله وسطر كلماته بالقلم الذي أقسم به الله في كتابه: (ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۚمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ).

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

فهي نبتة كأن رؤوسها طلع الشياطين، ما كان لها إلا أن تزبُل تحت شمس وطن نقش توحيد الإله وتشريعاته على أقدم جدران معابد الدنيا في مسقط رأسي ورأسك بمحافظة المنيا على جداريات مدينة إخناتون العظيم، والد أشهر ملوك الدنيا توت عنخ آمون. وطن آمن بالله رباً وبأحكام شرعته الأخلاقية أساساً للثواب والعقاب في يوم الحساب، فجاء المصري القديم في برديات كتاب الموتى منذ خمسة آلاف عام مدافعاً عن نفسه أمام ربه بأنه لم يقتل ولم يؤذ أحداً ولم يعتدِ على حدود أرملة ولم يسرق قمحاً من بيدر ولم يعوق جريان ماء النيل.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وطن الأنبياء

وطن شرّفه الله فكان قبلة أنبيائه ومهبط وحي توراته وألواح نبيه موسى، ومن قبله ملجأ أبيه الأعلى أبي الأنبياء إبراهيم وبنيه يعقوب ويوسف والأسباط. ثم كان منتهى مسار رحلة أسرة نبيه المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وأمه الصديقة مريم بنت عمران. وطن كان أول من اجتمعت فيه ألف مئذنة يعلو بها النداء اليومي مزلزل أسوار العلمانية: "حي على الصلاة، حي على الفلاح". وطن جعله الله في رباط إلى يوم القيامة بجند هم خير أجناد الأرض، لم يكن يوماً سر انتصاراته سوى زئير كابوس العلمانية الأعظم: "الله أكبر، وإسلاماه" في ملاحم النصر العظيمة الثلاثة على الصليبيين والتتار والصهاينة: حطين، عين جالوت، العاشر من رمضان أكتوبر 1973.

علام الحزن والبكاء؟

فعلام الحزن والبكاء يا زميلي العزيز على ميت لم يصبنا منه يوماً سوى الاحتراب والفرقة في الدين والأوطان والأفكار، مما جعلنا في مهب الريح العاصف بأن يتبرأ منا ربنا ونبينا وكتابنا: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون). (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين). (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).

فنموت خاسرين دنيانا وآخرتنا بفقد الهوية الجامعة شملنا، والإيمان الراسخ حصن جذورنا، والكيان المجتمعي الآمن في وطننا؟ وإلام الأسى على قتيل ما كان إلا كسيحاً مقعداً على أجهزة تنفس سريرية تنفخ فيه إكسير الحياة نفحات إمبريالية عابرة للقارات مدمرة لاستقلال الأوطان ناهبة لثروات الإنسان؟ قتيل لم يكن يوماً مفتاحاً لخير أو مغلاقاً لشر أو ومضة فلاح لوطننا الغالي الذي عانى من شطحات علمانية الاشتراكية والرأسمالية والماركسية والليبرالية والوجودية والمنطقية الوضعية والسارترية والفرويدية والبراجماتية والكانطية والفشتية والميكيافيلية والعبثية والعدمية وغيرها مما سوّقه لهذا البلد الطيب أدعياء التنوير وتجار الحداثة والعصرنة وما بعدهما، ممن تجمعهم الاستنارة المظلمة.

حتمية مصرع العلمانية

وكيف يمكن لنا أن نقارف وهم عدم حتمية مصرع العلمانية بوادينا الطيب أو نهايتها على سرير مرضها العضال؟ ذلك المرض العضال الذي لو كنا قد عالجناه وقضينا على جرثومته ونجونا من آفاته وأعراضه الخبيثة لكنا قد أصبحنا بشراً من الدرجة الثالثة مهما حثثنا الخطى، فهذا أقصى ما يمكن الوصول إليه في ظلال علمانية الغرب الإمبريالي؛ لأن الدرجة الأولى هي الغرب ذاته الذي يتحرك باستمرار وفق نهج عنصري لا يترك مجالاً لغيره أن يدركه، حتى لو شاركه هذا المنزع المادي الصرف الذي يتدثر بالعقلانية.

وبالطبع لو عالجنا العلمانية بأدوية الإسلام الحضاري وإنسانيته لتلاشت العلمانية وذابت مكوناتها السامة، ولم يبق من جرثومتها سوى الاسم دون المسمى وصارت هي والعدم سواء.. فهل يغني مجرد اسم دون مسمى؟ أما العلمانية بطبائعها الذاتية - دون علاج أو مداواة أو دون تحصين الهوية بالإسلام الحضاري إسلام الأخوة الإنسانية والعدل والمساواة والإحسان وحرية الاعتقاد - فإنها تحول الإنسان إلى شيء أو وسيلة، أي تحوسل الإنسان وتشيؤه، وهذا التشيؤ وهذه الحوسلة تعيد قولبة الإنسان ليصبح كائناً استهلاكياً غايته الأسمى أن يشبع نهمه، ويلاحق هذا الجوع المادي الذي يتضور بداخله ولا يقف عند حدود.. فهو يعيش في الحياة باعتبارها الفرصة الأولى والأخيرة لإرواء هذا الظمأ المادي والسعار الاستهلاكي وفق نسق ونموذج أيديولوجي شامل، ونموذج ضخم يهيمن على الإنسان من الخارج ويستبطنه من الداخل، ولا يمكن إيقافه على الإطلاق من داخل المنظومة المادية المهيمنة.

سقوط العلمانية وفشلها

وذلك كله كان ينبئ ويشير بوضوح إلى سقوط العلمانية وفشل أيديولوجيتها، وما تفرّخه من موبقات فكرية أو اجتماعية أو أخلاقية في المشرق الإسلامي، نظراً لعمق المنظومة العقدية والروحية والقيمية التي شكلت عقل الإنسان المسلم، وارتقت به عن السقوط في هوة الاختزال المادي لمعنى الحياة وغايتها. فالإنسان المصري مسلماً كان أم مسيحياً، يحتفظ بمنظومته القيمية الشاملة التي تجعله إنساناً متعدد الأبعاد الحضارية دينية وأخلاقية وثقافية وفكرية واجتماعية وإنسانية.

إذ إنه بدأ بالبعد الحضاري المصري القديم والذي يعرف خطأً بالبعد الفرعوني، لا يسقط في الأحادية المادية التي ترد العالم بأسره إلى المستوى المادي، فقد كان الطابع الروحي والإيمان بالروح والدين والمنظومات الأخلاقية في توجيهها للحياة اليومية هو الغالب والحاكم. مما استوجب الفصام الحتمي بين العلمانية ذات الطبيعة المادية وتجلياتها اللاأخلاقية مبتوتة الصلة بالروحانية، وبين الشرق الروحاني ذي المنظومة الأخلاقية والروحانية التي تشكل صلب البناء الأيديولوجي والاجتماعي والثقافي في هياكله وهويته.

إنسانية الشرق والعلمانية

ولم تكن مادية النسق العلماني وحدها محل الاستشكال المستوجب الفصام بين العلمانية والشرق الروحاني، بل كانت إنسانية الشرق التي مثلت فجر الضمير الإنساني كما وصفها هنري بريستد أحد أهم القواصم لظهر العلمانية في وادينا الطيب. فالخطاب الإنساني الذي يتغنى به الغرب صباح مساء إنما هو ذلك الغلاف الناعم وورقة التوت التي تعجز عن إخفاء عنصرية ووحشية عمليات الإبادة الإمبريالية الواسعة، التي هي أبرز تجليات العلمانية الممنهجة وغير الاستثنائية.

فقد تم إبادة 112 مليون إنسان من السكان الأصليين في قارة أمريكا على يد الأوروبيين الغزاة، وتم اختطاف وترحيل 12 مليون إفريقي وإرسالهم إلى مزارع أمريكا كعبيد لتعظيم الإنتاج الزراعي، وفي حربين عالميتين متتاليتين راح ضحيتهما قرابة 80 مليون إنسان، ناهيك عما تضمنته من إحراق اليهود والبولنديين والغجر في معسكرات الاعتقال النازية.. وناهيك عن الاحتلال الإمبريالي لكامل العالم العربي والإسلامي والذي راح ضحيته ملايين غير محصورة من المسلمين والمسيحيين على السواء، وما أعقب ذلك الاحتلال الاستعماري من زرع الصهيونية في قلب العالم العربي وتدنيس مقدساته، ثم حرائق الحرب الباردة التي راح ضحيتها ملايين البشر حول العالم.

كل تلك الحوادث الجسيمة التي تدلل على خطل توهم احتمالات التعايش بين إنسانية الإسلام الحضاري بالشرق وبين الإنسانوية العلمانية الملحدة أو غير الملحدة في العقلانية المادية، التي تبنت فلسفة حالة الطبيعة القائمة على تأسيس جديد لإنسانية الإنسان بعد إعلان انسحاب الإله من الكون، وهي حالة من حرب الجميع ضد الجميع التي يصف توماس هوبز فيها الإنسان بأنه ذئب لأخيه الإنسان. ومن ثم انطلق الوحش العلماني في بناء عالم إمبريالي جديد قاعدته نهب الآخر واستعباده أو إبادته إن أعاق إجراءات النهب أو الاستعباد. بل أصبح النهب والاستعباد الإمبريالي شرطاً للنهضة العلمانية، فالعلمانية كما وصفها روجيه جارودي قد حفرت قبراً يكفي لدفن العالم، ولن تتورع عن دفنه إذا اعترض مسيرتها.

وذلك ما أصبحنا نشاهده بثاً حياً على شاشات القنوات المحلية والعالمية وعلى أجهزة هواتفنا الرقمية وأمام عدسات الكاميرات الصحفية. فهل مازالت لدينا أعين يمكنها أن تجود بدمع يراق على العلمانية؟ وهل مازال لدينا ضمير علمي يسمح بنعي العلمانية ورثائها ناهيك عن الضمير الديني الذي تقاتل العلمانية لأجل اغتياله؟ أما آن لنا أن نغتبط لهذا البلد الطيب أنه يلفظ خبثه؟