لا يقتصر تأثير الحروب على الدول التي تشهد الصراعات فحسب، بل يمتد ليطال الأطفال في مناطق بعيدة عن النزاع عبر التعرض المفرط للأخبار ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ليصبح جزءاً أساسياً من يومهم.
تحذيرات اليونيسف
أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن هذا التعرض يترك أثراً سلبياً على الصحة النفسية والسلوك العاطفي للأطفال، خاصة من يمتلكون هواتف في سن مبكرة. وأوضحت أن التعرض المكثف لأخبار النزاعات يزيد مستويات القلق واضطرابات النوم، حتى في الأماكن الآمنة نسبياً، إذ تكمن المشكلة في شعور الطفل بأن العالم أصبح غير جدير بالثقة.
تأثير نفسي عميق
من الناحية النفسية، يعمل دماغ الطفل بحساسية تجاه الصور العنيفة، حيث تكون استجابة التوتر لديه أسرع وأقل قدرة على التنظيم الذاتي مقارنة بالبالغين. وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن التعرض المتكرر للمواد الصادمة قد يؤدي إلى تنشيط دائم لنظام التوتر، مما يؤثر على النمو العاطفي إذا لم يُحتوي مبكراً. كما أن التكرار المستمر لمشاهد العنف قد يؤدي إلى تطبع الطفل بالعنف، حيث تقل حساسيته تدريجياً تجاه المشاهد الصادمة.
دور التربية الإعلامية
شددت اليونيسف على أهمية تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والأسر، ودعم مهارات التربية الإعلامية التي تساعد على التمييز بين المحتوى الموثوق وغير الموثوق، وتقليل التعرض غير المقصود للمحتوى العنيف. ويمكن للمدارس أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الوعي من خلال تعليم الأطفال التفكير النقدي تجاه المحتوى الذي يتعرضون له.
مخاطر صحية ونفسية
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المتكرر لمحتوى صادم مثل مقاطع القصف أو الضحايا يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم وصعوبات في التركيز لدى الأطفال والمراهقين، خاصة في المراحل العمرية الحساسة التي تتشكل فيها آليات التعامل مع التوتر.
وتذكر منظمة إنقاذ الطفولة أن الأطفال الذين يتابعون محتوى الحرب عبر المنصات الرقمية قد يطورون شعوراً بالخوف المستمر وعدم الأمان، حتى في البيئات الآمنة نسبياً، نتيجة التعرض غير المباشر المستمر للصدمات. وتؤكد المنظمة أن هذا النوع من التعرض قد يؤثر على الصحة النفسية على المدى الطويل إذا لم يُدعم الطفل نفسياً داخل الأسرة والمدرسة.
اليونيسكو: ضرورة التربية الإعلامية
تركز اليونيسكو في تقاريرها على أن المنصات الرقمية تضاعف سرعة انتشار المحتوى العنيف دون فلترة كافية للفئات العمرية، مما يجعل الأطفال أكثر عرضة لمشاهد تفوق قدرتهم على الاستيعاب النفسي، ويستدعي ذلك تعزيز التربية الإعلامية ودور الأهل في المرافقة الرقمية.
آراء الخبراء
قالت الدكتورة سارة فوزي، مدرسة الإعلام الرقمي ومديرة وحدة الذكاء الاصطناعي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تبرز الصراع كعنصر جذب للجمهور، وهو ما ينعكس في التغطيات المرتبطة بالحروب، غالباً على حساب مراعاة الفئات المختلفة مثل الأطفال الذين يشاهدون هذه المواد رغم أنهم ليسوا الجمهور المستهدف.
وأكد الدكتور رشاد عبداللطيف، أستاذ علم الاجتماع، أن التعرض المتكرر لمشاهد الحرب والعنف يترك آثاراً عميقة على الأطفال، تتجاوز المشاهدة إلى التأثير في سلوكهم وتكوينهم النفسي والاجتماعي، وقد يسهم في تنمية ميول عدوانية وصعوبة السيطرة لاحقاً، إذ يميل الطفل إلى تقليد ما يراه دون إدراك حقيقي للعواقب. وتتفاوت حدة التأثيرات وفق عوامل عدة منها البيئة الأسرية.
وأوضح الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين الأطفال يفرض على المدارس مسئولية أساسية في حماية وعي الطلاب، من خلال التربية الرقمية التي تهدف إلى توعية الأطفال بكيفية الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا ومساعدتهم على تجنب المحتوى غير المناسب لأعمارهم.



