طواف الوداع: آخر مناسك الحج وأحكامه وآراء الفقهاء
طواف الوداع: آخر مناسك الحج وأحكامه

طواف الوداع: آخر مناسك الحج

يُعد طواف الوداع آخر مناسك الحج؛ إذ يحرص الحجاج على أدائه قبل مغادرة مكة المكرمة امتثالًا لهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فما هو حكم طواف الوداع؟ وما هي أسماؤه؟ وما الحكمة منه؟ وما الآثار المترتبة على عدم أدائه؟ وهل يغني عنه ذبح أم لا؟ كل هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها في هذا التحقيق.

تعريف طواف الوداع والمخاطبون به

طواف الوداع هو الطواف الذي يفعله الحاج بعد فراغه من جميع مناسكه وعزمه على الرحيل من مكة، ليختم به صلته بالبيت الحرام. والمخاطبون به هم أهل الآفاق (البعيدون عن مكة)، أما المكي أو المقيم داخل الحرم فلا يجب عليه؛ لإجماع العلماء على أن الوداع يكون للمفارق لا للملازم.

أسماء طواف الوداع

يسمى طواف الوداع أيضًا طواف الصَّدَر؛ لصدور الناس عن البيت بسببه، وطواف العهد؛ لأنه آخر العهد بالبيت.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

آراء الفقهاء في حكم طواف الوداع

انقسم الفقهاء في حكمه إلى قولين مشهورين:

القول الأول: الوجوب

ذهب الحنفية، والحنابلة في الأصح، والشافعية في الأظهر، إلى أنه واجب، واستدلوا بحديث «لَا يَنْفِرْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْت» [مسلم، الصحيح (1327)].

القول الثاني: السنة

وإليه ذهب المالكية، وداود الظاهري، وابن المنذر، وهو قول ثانٍ للشافعية والحنابلة. ومن تركه لا شيء عليه، ولا يلزم بتركه دم، وحجه صحيح. وهذا هو المختار تيسيرًا على الناس [ابن فرحون: إرشاد السالك، ط. مكتبة العبيكان (1/471)، والنووي: المجموع (8/253-284)].

حكم ترك طواف الوداع للحائض والنفساء

اتفق الفقهاء قاطبة على أن الحائض ليس عليها وداع، وقد خفف عنها الشرع هذا المنسك، ولا يجب عليها بسببه دم ولا فدية. لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت في حجة الوداع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلْتَنْفِرْ» [البخاري: الصحيح، (4401)].

حكم ترك طواف الوداع لعذر (نسيان، زحام، مرض)

من تركه لعذر قاهر (كآلام الحمل، أو الزحام الشديد الذي يحول دون العودة) فلا شيء عليه عند من قال بالسُّنِّيَّة، وهو الراجح. حتى عند الحنفية القائلين بالوجوب، فإن ترك النسك الواجب لعذرٍ لا يد للإنسان فيه يُسقط الكفارة، قياسًا على الحائض.

من ترك الطواف بغير عذر عند القائلين بالوجوب

من ترك الطواف بغير عذر (كالناسي الذي لم يتمكن من العودة) يلزمه دم، وهو ذبح شاة، ولا يشترط لذبحه زمان أو مكان محدد.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

هل يجزئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع؟

طواف الإفاضة هو ركن الحج الأصيل، ولا يمكن للحاج أن ينهي إحرامه تمامًا (التحلل الأكبر) إلا به. أجمع الفقهاء قاطبة على أنه لا ينوب عنه شيء ألبتة؛ فلا يُجبر بدم، ولا تُغني عنه صدقة، بل هو حتم لازم على كل مستطيع. وقد رسخ القرآن الكريم هذه المكانة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لۡیَقۡضُوا۟ تَفَثَهُمۡ وَلۡیُوفُوا۟ نُذُورَهُمۡ وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ﴾ [الحج: 29]. ويجوز للحاج تأخير طواف الإفاضة ليؤديه قبيل سفره مباشرة، وفي هذه الحالة يجزئه عن طواف الوداع؛ لأن المقصود أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وقد تحقق ذلك، ولا يضر أداء السعي بعده؛ لأن السعي لا يقطع التوديع.

حكم التأخر بمكة بعد الوداع

إذا تأخر لعذر يتعلق بالسفر: كشد الرحل، شراء الزاد، انتظار الحافلة، أو زحام طارئ، يجزئه طوافه ولا تجب إعادته. أما إذا تأخر لغير عذر السفر: كزيارة مريض، أو تجارة، أو مكوث طويل بلا سبب، يلزمه إعادة الطواف عند الجمهور، وإلا وجب الدم [الخطيب الشربيني في مغني المحتاج (2/280)]. ومع ذلك، فإن الحاج إذا طاف للوداع، ثم تأخر لظروف الحافلة، أو الحملة، أو الزحام، فإن طوافه صحيح ومجزئ، ولا يلزمه شيء؛ لأن هذا التأخر من ملحقات السفر وأسبابه.