مشروع نيمبوس: كيف وفرت جوجل وأمازون البنية التحتية للحرب الإسرائيلية على غزة؟
مشروع نيمبوس: بنية تحتية للحرب الإسرائيلية على غزة

في الوقت الذي كانت فيه صور الدمار تتدفق من غزة إلى شاشات العالم، كانت معركة أخرى تدور بعيدًا عن أصوات الانفجارات، داخل مراكز البيانات العملاقة وخوادم الحوسبة السحابية التي تشغل جزءًا متزايدًا من الحروب الحديثة. فمن خلال مشروع نيمبوس، وهو عقد تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار بين جوجل وأمازون والحكومة الإسرائيلية، حصلت إسرائيل على إمكانية الوصول إلى قدرات متقدمة في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وبينما كانت الحرب في غزة تتوسع، كان المشروع يتقدم هو الآخر خلف الأبواب المغلقة، مثيرًا أسئلة متزايدة حول الدور الذي تلعبه شركات التكنولوجيا العالمية في النزاعات المسلحة.

تحذيرات حقوقية وإخطارات قانونية

وخلال مايو الجاري، وجه ائتلاف يضم مركز قانون إلغاء العبودية، ومقره بنسلفانيا، ومركز الحقوق الدستورية، وهو واحدة من أقدم المنظمات الحقوقية في الولايات المتحدة، ومنظمة العدالة التقنية، وهي متخصصة في مساءلة شركات التكنولوجيا، إخطارًا قانونيًا إلى شركة جوجل وعدد من كبار مسؤوليها التنفيذيين، حذر فيه من احتمال تعرضهم للمساءلة القانونية بسبب دور الشركة في تزويد الحكومة والجيش الإسرائيليين بخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ضمن مشروع نيمبوس.

واعتبر الائتلاف أن استمرار تقديم هذه الخدمات، رغم التحذيرات المتكررة بشأن مخاطر استخدامها في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، قد يضع الشركة ومسؤوليها تحت طائلة المسؤولية القانونية، كما طالب جوجل باتخاذ إجراءات فورية لتعليق أو مراجعة أوجه التعاون التي يمكن أن تسهم في العمليات العسكرية الجارية في غزة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وقالت شركة جوجل، في وقت سابق، إن عقد نيمبوس مع الحكومة الإسرائيلية لا يتعلق بأعمال شديدة الحساسية أو سرية أو ذات طابع عسكري يرتبط بالأسلحة أو أجهزة الاستخبارات. غير أن هذا النفي يظل محل جدل واسع، فالاستخدامات الفعلية للبنية السحابية خلال الحرب على غزة، كما تكشفها وثائق وتسريبات وشهادات داخلية، تطرح تساؤلات حول الفاصل بين الخدمات التجارية والتطبيقات ذات الطابع العسكري.

إسرائيل والاعتماد على البنية التحتية السحابية لجوجل

وفقًا لوثائق ورسائل داخلية، اطلعت عليها «الوطن»، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتمد بصورة متزايدة على البنية التحتية السحابية المتقدمة خلال عملياته العسكرية. وكانت قيادات في الجيش الإسرائيلي، أقرت بأهمية البنية السحابية التي توفرها شركات التكنولوجيا الأمريكية في إدارة العمليات العسكرية خلال الحرب على غزة.

وخلال عرض داخلي في يوليو 2024، وصفت العقيد راحيلي ديمبينسكي، قائدة مركز الحوسبة ونظم المعلومات في الجيش الإسرائيلي، السحابة التشغيلية للجيش بأنها منصة سلاح، مؤكدة أن الاعتماد على خدمات أمازون وجوجل ومايكروسوفت وفر فاعلية عملياتية كبيرة جدًا وساعد الجيش على التعامل مع الحجم غير المسبوق للعمليات والبيانات خلال الحرب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الجدل لا يتوقف عند حدود الخدمات التقنية

وبحسب وثائق تداولها موظفون ونشطاء معارضون لمشروع «نيمبوس»، كانت شروط استخدام جوجل التقليدية تحظر التطبيقات التي قد تؤدي إلى الوفاة أو إلحاق أضرار جسيمة بالأفراد، إلا أن العقد المرتبط بمشروع نيمبوس تضمن، وفق هذه الوثائق، ترتيبات خاصة جرى التفاوض عليها مع الحكومة الإسرائيلية، ما أثار تساؤلات داخل الشركة وخارجها بشأن المعايير الأخلاقية التي تحكم استخدام التكنولوجيا في مناطق النزاع.

وتكشف رسائل داخلية أخرى أن مستشارين وخبراء داخل جوجل حذروا من احتمالية استخدام بعض التقنيات في سياقات قد ترتبط بانتهاكات لحقوق الإنسان، وتقول الرسائل إن هذه التحذيرات قدمت قبل توقيع العقد واستمرت خلال مراحل تنفيذه، بينما واصلت الشركة تقديم خدماتها وتوسيع نطاق التعاون التقني.

ومن بين أكثر التطبيقات إثارة للجدل، تبرز تقنيات التعرف على الوجوه، وهي أدوات تعتمد على بنية جوجل التحتية استُخدمت لتحليل صور ومقاطع مراقبة بهدف تحديد هويات فلسطينيين داخل قطاع غزة والأراضي الفلسطينية، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بالاستهداف والمراقبة الجماعية والخصوصية.

معركة روايات

ففي موازاة الحرب، تحولت منصات جوجل الإعلانية إلى ساحة معركة للروايات المتنافسة، وتشير تقارير إلى أن عقدًا دعائيًا بقيمة 45 مليون دولار مع جهات حكومية إسرائيلية أتاح نشر إعلانات تروج للرواية الإسرائيلية بشأن الوضع الإنساني في غزة. ومن بين الرسائل التي ظهرت للمستخدمين عبارات تؤكد توافر الغذاء داخل القطاع وتنفي وجود مجاعة، في وقت كانت فيه وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية تحذر من تفاقم أزمة الجوع بين السكان.

وفي أوروبا، يواجه المشروع بعدًا قانونيًا آخر، إذ يرى منتقدوه أن معالجة بيانات شخصية لفلسطينيين عبر بنى تحتية تديرها جوجل قد تضع الشركة تحت طائلة اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية GDPR، خاصة إذا ثبت أن البيانات جُمعت أو استُخدمت دون موافقة قانونية، وبالنظر إلى حجم أعمال الشركة عالميًا، فإن أي عقوبات محتملة قد تصل إلى مليارات الدولارات.

وتذهب بعض المنظمات الحقوقية إلى أبعد من ذلك، مستحضرة سوابق تاريخية تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين حوكم رجال أعمال بتهم التواطؤ في جرائم حرب بسبب توفيرهم مواد استُخدمت في عمليات قتل جماعي، ويقول أصحاب هذا الطرح إن السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بمن ضغط على الزناد، بل بمن وفر البنية التحتية والأدوات التي جعلت ذلك ممكنًا.