مقدمة: واقعة عمورية ودروسها الخالدة
لم تكن واقعة عمورية، التي قال فيها أبو تمام: (السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ..)، مجرد حدث تاريخي عابر، بل كانت درسًا عظيمًا يتجاوز الزمان ليصل إلينا اليوم، حاملاً عبرًا وعظات لا تزال حية. تلك الملحمة العظيمة التي دارت رحاها بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية في رمضان من عام 223هـ الموافق لأغسطس 838م، كانت واحدة من أهم معارك العرب مع الروم البيزنطيين.
خلفية المعركة: من بابك الخرمي إلى استنجاد البيزنطيين
سادت الفوضى والاضطراب أرجاء الخلافة العباسية بسبب ظهور حركة بابك الخرمي، الداعية للزندقة والفجور. كادت هذه الحركة في أواخر عهد المأمون (813-833م) أن تسقط الخلافة الإسلامية العباسية. لم تفلح حملات المأمون العسكرية في القضاء عليها، بل ازدادت شوكتها وعظم خطرها، وتوفي المأمون دون إحراز نصر على أنصار بابك الخرمي. وعندما تولى الخليفة المعتصم بالله (833-842م) الخلافة، نجح في إخماد الحركة.
استنجد بابك الخرمي بإمبراطور الروم البيزنطيين، توفيل بن ميخائيل (829-842م)، وأغراه بالدخول على الخلافة العباسية التي أنهكتها الحرب. قال له: (إنَّ المعتصم لم يُبْقِ على بابه أحدٌ، فإنْ أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحدٌ يمنعك). استجاب ملك الروم لاستغاثة بابك، وجهَّز جيشًا قوامه يربو على المائة ألف مقاتل، وضم إليه أشتات الخرمية الذين مزَّق شملهم المعتصم، وكانوا أكثر من أربعة عشر ألف جندي بقائدهم.
الزحف البيزنطي ورد فعل المعتصم
بدأ زحف الجيش البيزنطي صوب أطراف الخلافة العباسية، مباغتًا المدن الآمنة والقرى في طريقه. انقض على ثغري ملطية (في تركيا حاليًا) وزبطرة، ونالت ملطية الحظ الأوفر من الدمار، حيث أُعمل القتل في أهلها، وأُسرت ألف امرأة مسلمة، وقام البيزنطيون بتقطيع آذان الأسرى وأنوفهم وسمل أعينهم. استنجد الضحايا بالمعتصم، فثار وغضب غضبًا شديدًا، وأعد العدة للمنازلة.
استعداد المعتصم للحرب ونبوءات المنجمين
استنفر الخليفة المعتصم جيشه استعدادًا للحرب، وجمع قواده وسألهم: (أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية، لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي أمنع حصون الروم البيزنطيين، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية). كانت عمورية من أهم مدن الإمبراطورية البيزنطية، وتقع غربي آسيا الصغرى (الأناضول حديثًا). لكن في بلاط الخلافة، كان لقراء الطالع والمنجمين الكلمة العليا، فلا تتحرك الحرب إلا بعد قراءتهم للطوالع ومراقبتهم الشمس والقمر والنجوم والمذنبات وأقواس قزح.
قال المنجمون كلمتهم: إن المعتصم وجيشه لن يستطيعوا فتح عمورية، وخوَّفوه مغبة التوجه إليها، وتحدثوا عن أحداث جسام ستتمخض عنها الأيام. لكن الخليفة المعتصم لم يأبه بنبوءاتهم وضرب صفحًا عنها.
مسيرة الجيش العباسي وحصار عمورية
تحرك المعتصم نحو عمورية في جحافل كثيرة، وقد تجهز جهازًا لم يتجهز مثله خليفة قبله، من السلاح والعتاد والبغال والروايا والقرب وآلات الحديد والنفط. كان إصرار المعتصم على النصر قويًا، إذ سار مع قواده في خطة محكمة بدأت من أنقرة على مسيرة ثلاث مراحل. هرب أهل أنقرة وعظماؤها، فنزل بها المعتصم وقواده (أشناس وأفشين) وأقاموا بها، ثم تابع المسير إلى عمورية، والعساكر والقواد تتبعه وتمهد له، حتى توافقت العساكر عند عمورية وضربوا عليها حصارًا محكمًا، ونصب المعتصم حولها طوقًا من المجانيق.
بدأ القائد أشناس الحرب في 6 رمضان 223هـ (1 أغسطس 838م)، وفي اليوم الثاني جاء دور القائد أفشين وأصحابه، فأجادوا الحرب وضيقوا الخناق وأكثروا الرمي. في اليوم الثالث، كثرت الجراحات في صفوف الروم ووهن عزمهم، فقرر صاحب عمورية الاستسلام مع أصحابه بعد حصار دام 11 يومًا وخسائر فادحة، وطلبوا الأمان على أرواحهم فكان لهم ذلك.
أمر المعتصم بإحراق عتاد الحرب الثقيلة لدى البيزنطيين، فاشتعلت النيران بضراوة في المخازن الضخمة التي حوت المجانيق وآلات الحرب، كي لا يتقوى بها البيزنطيون مرة أخرى.
سقوط نبوءات المنجمين وخلود القصيدة
كان ذلك الفتح الكبير، ليسقط بالنصر المبين نبوءات المنجمين الذين خوَّفوا الناس من دهياء مظلمة ماحقة إن خرج المعتصم إلى عمورية، وقالوا إن حملته ستبوء بالخراب إن خرجت في هذا التوقيت. لكن المعتصم بهمته وإيمانه ونقاء عقيدته لم يلتفت لتلك الأراجيف والخزعبلات، وأقسم أن لا يعود إلا بالفتح والنصر المبين، وكان له ما أراد.
جاء شاعر البلاط العباسي أبو تمام، وقد أثارت هذه الواقعة قريحته الشعرية، لينظم أروع أبيات الحماسة في الشعر العربي، مبرزًا أم المعاني حين ولوج النصر من أعسر أبوابه، حين يصرع الحسم في الميدان نبوءات المنهزمين المثبطين للهمم والعزائم. يأتي أبو تمام ليكرس ثقافة النصر برائعته الخالدة التي يقول فيها:
(السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ... في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ)
(بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في.... مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ)
(والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَةً.. بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لافي السَّبْعَةِ الشُّهُبِ)
(أَيْنَ الروايَةُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا... صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ)
يسخر الشاعر من المنجمين ويستهزئ بهم، مؤكدًا أن النصر العظيم الذي ظفر به العرب في عمورية يشهد بأن السيف أصدق من كتب المنجمين، فحده القاطع يفصل بين الحقيقة والخرافة. بياض السيف بدد ظلام الشك الذي ألقوه على النفوس من خلال أوراقهم وكتبهم السود التي نقلوا عنها من الشهب والنجوم. العلم بنتائج الحروب يُلتمس من أسنة الرماح في المعركة، لا في الشهب السبعة التي اعتمد عليها المنجمون.
ويواصل أبو تمام قصيدته قائلاً:
(يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّوريَّةَ انْصَرَفَتْ...... منكَ المُنى حُفَّلًا معسولةً الحلبِ)
(أبقيْتَ جدَّ بني الإسلامِ في صعدٍ.... والمُشْرِكينَ ودَارَ الشرْكِ في صَبَبِ)
(لقد تركتَ أميرَ المؤمنينَ بها.... للنَّارِ يومًا ذليلَ الصَّخرِ والخشبِ)
(غادرتَ فيها بهيمَ اللَّيلِ وهوَ ضُحىً.... يَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ مِنَ اللَّهَبِ)
(حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبتْ.... عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْسَ لَم تَغِبِ)
(ضوءٌ منَ النَّارِ والظَّلماءُ عاكفةٌ.... وظُلمةٌ منَ دخان في ضُحىً شحبِ)
(تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِمِ..... للهِ مرتقبٍ في الله مُرتغبِ)
في هذه الأبيات، يصف الشاعر يوم عمورية بأنه يوم عظيم تحققت فيه آمال العرب الحافلة بالسعادة، واستمر حظ المسلمين في الارتفاع والانتصار، بينما أصاب دار الشرك الانحدار والحزن جراء الهزيمة. ويصف النار التي أحرقت المدينة حتى أذلت الصخور، وكأن ضوء النار المتوهج في الليل بدد الظلام، وكأن الشمس لم تغب.
تلك هي أروع قصائد الفخر والحماسة للشاعر العربي الكبير أبو تمام، التي خلدت معركة عمورية وأمير المؤمنين المعتصم بالله، ودحضت نبوءات المنجمين، مؤكدة أن السيف أصدق إنباءً من الكتب.



