لم تعد أزمة الموازنة العامة في مصر مجرد أرقام متشابكة أو عجز مالي يتكرر كل عام في البيانات الرسمية، بل تحولت إلى مرآة سياسية كاملة تعكس طبيعة الدولة نفسها، وكيف ترى مواطنيها، وما الذي تعتبره أولوية حقيقية، وما الذي يمكن التضحية به وتأجيله تحت لافتات الضرورة الاقتصادية والظروف الاستثنائية.
الموازنة الجديدة: أرقام وواقع
في مشروع موازنة العام المالي 2026/2027 تبدو الصورة أكثر وضوحًا وأشد قسوة. الحكومة تحتفل بزيادة مخصصات الصحة والتعليم، وتقدم الأرقام باعتبارها دليلًا على انحياز اجتماعي متصاعد، بينما تكشف القراءة الدقيقة أن هذه الزيادات ليست سوى ارتفاعات اسمية التهمها التضخم، وأن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا: الدولة لا تنفق على التعليم والصحة وفق النسب التي ألزمت بها نفسها في الدستور.
فجوة دستورية وأخلاقية
المشكلة هنا ليست دستورية فقط، بل أخلاقية وسياسية في المقام الأول. الدستور المصري الصادر عام 2014 لم يضع نسب الإنفاق على الصحة والتعليم باعتبارها توصيات اختيارية، بل ألزم الدولة صراحة بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، و6% للتعليم بكل مراحله، مع التدرج في الوصول إلى هذه النسب. لكن بعد أكثر من عقد كامل على إقرار الدستور، لا تزال الأرقام الفعلية بعيدة بصورة فادحة عن النصوص الملزمة.
مخصصات الصحة في الموازنة الجديدة بلغت نحو 368.9 مليار جنيه، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق، غير أنها لا تمثل سوى 1.5% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع، أي نصف الحد الأدنى الدستوري تقريبًا. أما التعليم، فرغم زيادة مخصصاته بنسبة 20% إلى أكثر من 422 مليار جنيه، فإن الإنفاق الفعلي لا يتجاوز 1.7% من الناتج المحلي، بينما ينص الدستور بوضوح على نسبة لا تقل عن 6%.
الإنسان بند مؤجل
ما معنى ذلك بلغة الواقع؟ معناه ببساطة أن الدولة المصرية، رغم كل الشعارات، لا تزال تعتبر الإنسان بندًا مؤجلًا في أولوياتها الكبرى. يمكن لأي حكومة أن تتحدث عن المدن الذكية، والمشروعات العملاقة، والطرق والكباري، والاستثمارات الضخمة، لكن الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الأمم لا تُقاس فقط بارتفاع الأبراج، بل بقدرة طفل في مدرسة حكومية على القراءة، وبقدرة مريض فقير على دخول مستشفى محترم دون أن يتحول العلاج إلى رحلة إذلال يومية.
المأساة أن الحكومة لا تنكر فقط الفجوة بين النص الدستوري والواقع، بل تحاول أحيانًا الالتفاف عليها عبر عمليات حسابية فضفاضة، بإدخال بنود لا ترتبط مباشرة بالخدمة التعليمية أو الصحية ضمن المخصصات المعلنة، حتى تبدو الأرقام أقرب إلى الالتزام الشكلي. لكن الوقائع على الأرض أكثر صدقًا من الجداول الرسمية.
تقرير حقوقي يكشف التدهور
هيومن رايتس ووتش، في تقرير سابق لها، اعتبرت أن الحكومة المصرية قوضت الحق في التعليم عبر تقليص الإنفاق الحقيقي عليه، سواء كنسبة من الناتج المحلي أو من الإنفاق العام. وبالطبع فإن التقرير لم يأتِ بجديد للمصريين بقدر ما وصف واقعًا يعيشه ملايين الطلاب يوميًا: فصول مكتظة، نقص هائل في المعلمين، مدارس متهالكة، تعليم يتحول تدريجيًا إلى مجرد عبء اجتماعي بلا جودة حقيقية. في بعض المدارس الحكومية يصل عدد الطلاب داخل الفصل الواحد إلى عشرات الطلاب. أي تعليم يمكن أن يحدث داخل هذا الحشد البشري؟ كيف يمكن لطفل أن يتعلم، أو لمعلم أن يشرح، أو لعملية تربوية أن تنجح أصلًا مع هذه المعضلة المزمنة؟
أين تذهب الأموال؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إيلامًا: أين تذهب الأموال؟ حين تعجز الدولة عن توفير فصول كافية أو تعيين معلمين برواتب عادلة، لكنها في الوقت نفسه تنفق المليارات على مشروعات ضخمة خارج الموازنة العامة، فإن الأزمة لا تصبح أزمة موارد فقط، بل أزمة أولويات سياسية واضحة. الدكتور محمود محيي الدين لمس جوهر الأزمة عندما حذر من خطورة التوسع في تنفيذ مشروعات خارج الموازنة، مؤكدًا أن وحدة الموازنة هي المفتاح الأول لعلاج أزمة الديون. كلامه لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا بامتياز: الدولة التي تُجزئ إنفاقها، وتُخرج قطاعات كاملة خارج الرقابة المجتمعية والبرلمانية الحقيقية، تفقد تدريجيًا قدرتها على ضبط أولوياتها.
دروس من التجارب العالمية
هكذا تتحول الموازنة من وثيقة تعبر عن فلسفة الدولة إلى مجرد دفتر حسابات مرتبك. في كل التجارب الناجحة حول العالم، كان التعليم والصحة في قلب المشروع الوطني. الدول التي نهضت بعد الحروب والفقر والانهيارات بدأت بالإنسان قبل العمران. كوريا الجنوبية لم تصبح قوة اقتصادية لأنها بنت طرقًا فقط، بل لأنها استثمرت بكثافة في التعليم والبحث العلمي. وفنلندا لم تتحول إلى نموذج عالمي لأنها رفعت عدد الأبراج، بل لأنها رفعت مكانة المعلم.
المواطن يدفع مرتين
أما نحن، فما زلنا ندور داخل الحلقة نفسها: إنفاق ضخم على البنية الصلبة، وتآكل مستمر للبنية البشرية. الأخطر أن هذا التراجع يحدث بينما تتوحش الأزمة الاجتماعية بصورة غير مسبوقة. الأسرة المصرية لم تعد تتحمل فقط تكاليف الحياة اليومية، بل أصبحت تدفع ثمن انهيار الخدمات العامة أيضًا. المواطن يدفع ضرائب ورسومًا متزايدة، ثم يُجبر على اللجوء للدروس الخصوصية لأن المدرسة عاجزة، وإلى المستشفيات الخاصة لأن القطاع الصحي الحكومي منهك. أي أن المواطن يدفع مرتين: مرة للحكومة، ومرة لفشل الحكومة.
وحين يصبح التعليم الجيد والعلاج الجيد متاحين فقط لمن يملك المال، فإن المجتمع يتحول تدريجيًا إلى طبقات مغلقة، ويصبح الفقر قدرًا موروثًا لا يمكن كسره. الحكومة غالبًا ما تبرر هذا التراجع بالأزمة الاقتصادية العالمية، وبفاتورة الدين، وبالضغوط الهائلة على الاقتصاد المصري. لا أحد ينكر وجود أزمة حقيقية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا يكون التعليم والصحة دائمًا أول الضحايا؟ لماذا لا تُمس الامتيازات الكبرى بنفس القدر الذي تُمس به حقوق الناس الأساسية؟ ولماذا يصبح التقشف واجبًا على المواطن فقط، بينما يستمر التوسع في الإنفاق على مشروعات لا تبدو أولوية عاجلة لدولة تعاني هذا المستوى من التدهور التعليمي والصحي؟
تآكل الثقة العامة
حين تفقد النصوص الدستورية إلزامها العملي، تتآكل فكرة الدولة القانونية نفسها. الدستور ليس بيانًا دعائيًا، بل عقد اجتماعي ملزم. وحين تتعامل الحكومة معه باعتباره قابلًا للتأجيل المستمر، فإن الرسالة الضمنية للمجتمع تصبح شديدة الخطورة: الحقوق يمكن تعطيلها إذا تعارضت مع حسابات الحكومة. النتيجة النهائية لهذا المسار لا تظهر فقط في تراجع الخدمات، بل في تآكل الثقة العامة. الناس لم تعد تسأل فقط عن حجم الإنفاق، بل عن معنى الدولة نفسها. ما معنى الحديث عن التنمية بينما يتخرج ملايين الطلاب بمهارات ضعيفة، ويعيش ملايين المرضى تحت رحمة العجز والفقر؟
خطر يهدد المستقبل
إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها لا تهدد الحاضر فقط، بل المستقبل أيضًا. كل جنيه يُنتقص من التعليم هو خصم مباشر من مستقبل البلد. وكل جنيه يُحرم منه قطاع الصحة هو تهديد للأمن الاجتماعي نفسه. لا يمكن بناء اقتصاد قوي فوق مجتمع مريض أو جاهل أو فاقد للأمل. ولا يمكن الحديث عن أولويات التنمية بينما المدارس تغرق في الاكتظاظ ونقص المعلمين، والمستشفيات تعاني نقص الأطباء وأسرة الرعاية المركزة. في النهاية، ليست المشكلة أن الموازنة تعاني أزمة، فكل دول العالم تواجه أزمات اقتصادية معقدة. المشكلة الحقيقية هي كيف تختار الدولة توزيع الألم، ومن الذي يدفع الثمن الأكبر. حتى الآن، يبدو أن المواطن العادي وحده هو من يتحمل الفاتورة كاملة، بينما يظل الدستور معلقًا بين الخطب الرسمية والواقع القاسي. وهنا بالتحديد يبدأ الخطر الحقيقي.



