حجر من الكعبة في القاهرة يحمل ذاكرة السماء وأربعة قرون من الصمت
حجر من الكعبة في القاهرة يحمل ذاكرة السماء

في قلب القاهرة، حجر يحمل ذاكرة السماء. في التاسع عشر من شعبان سنة 1039 هجرية، نزل على مكة المكرمة مطر لم تعهده الجزيرة من قبل. تحول في ساعات إلى سيل عاتٍ اقتحم المسجد الحرام، ودخل إلى جوف الكعبة المشرفة، وحمل جميع ما في المسجد من خزائن الكتب والقناديل والبسط، وخرّب الدور واستخرج الأثاث، ومات بسببه خلق كثير.

حين انحسرت المياه، كانت الكعبة جريحة. سقط جدارها الشامي، وبعض الجدارين الشرقي والغربي، وأصاب الجدار اليماني وهن فهدم. وصل الخبر إلى السلطان العثماني مراد الرابع في إسطنبول. لم ينتظر والي مصر محمد باشا ما يشير به السلطان، خشية أن يستفحل تصدع الكعبة لاسيما مع اقتراب موسم الحج، فبُعث بمندوبين إلى مكة فوراً. أمر السلطان مراد الرابع بتجديدها على أيدي مهندسين مصريين في سنة 1040 هـ / 1630 م، وبدأ العمل يوم الأحد 23 جمادى الآخرة، وتم البناء في غرة شهر رمضان من السنة نفسها.

البيت الذي بُني اثنتي عشرة مرة

تفيد الروايات التاريخية أن الكعبة بنيت اثنتي عشرة مرة عبر التاريخ: الملائكة، وآدم، وشيث بن آدم، وإبراهيم وإسماعيل، والعمالقة، وجرهم، وقصي بن كلاب، وقريش، وعبد الله بن الزبير عام 65 هـ، والحجاج بن يوسف عام 74 هـ، والسلطان مراد الرابع عام 1040 هـ. اثنتا عشرة مرة، من الملائكة إلى السلطان العثماني، من الأزل إلى القرن السابع عشر الميلادي. وفي كل مرة كانت الكعبة تُهدم أو تتصدع أو يضربها سيل، كانت الأمة تنهض لبنائها من جديد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أُعيدت الكعبة بحجارة الجرانيت القوية المجموعة من جبال مكة، لتستقر على نفس الهيئة والأساس الذي كانت عليه. وهو البناء الأخير والحالي للكعبة، وكل ما جاء بعده لم يكن إلا ترميمات. فالكعبة التي يطوف حولها الحجاج اليوم هي نفسها التي بناها المهندسون المصريون بأيديهم منذ أربعة قرون. وحجر من ذلك البناء موجود في القاهرة.

باب السر

لا يعرفه كثيرون، لا تجده في قوائم المعالم السياحية، لا يظهر في تطبيقات الخرائط بوصفه وجهة مقصودة، لكن من يعرفه يعود إليه. في مسجد سيدي علي زين العابدين، حفيد الحسين بن علي رضي الله عنه، في حي من أحياء القاهرة العتيقة، يقف الحجر خلف باب معدني مزخرف بزخارف إسلامية دقيقة، يعلوه إطار فضي منقوش، وفوقه آيات بالخط الذهبي على خلفية خضراء. الحجر نفسه أسود جرانيتي داكن، لا يلمع، لا يتكلم، لكنه حين تضع يدك عليه، تشعر بشيء يصعب تفسيره.

لافتة بسيطة مثبتة بجانبه تحكي القصة: مهندسون مصريون ذهبوا إلى مكة وأعادوا بناء الكعبة بعد سيل 1630 م، وحين عادوا أحضروا بقايا من الحجارة القديمة المهدومة، فاستقر هذا الحجر في المسجد المسمى باسم الإمام علي زين العابدين، والذي دُفنت فيه رأس حفيد الإمام الحسين؛ زيد بن علي، منذ ذلك اليوم. أربعة قرون وهو هنا صامت، ينتظر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

المشهد الذي لا تنساه العين

في الأيام التي تسبق عيد الأضحى، تتغير طبيعة الزوار. يأتون بأعداد أكبر. بخشوع أعمق. كأن اقتراب ذكرى إبراهيم وإسماعيل يشحن المكان بشيء غير مرئي. رأيت رجلاً ضخم البنية، يرتدي جلباباً رمادياً، يمد يده على الحجر ببطء شديد. أغمض عينيه. تحركت شفتاه. لم يتحرك من مكانه دقيقتين كاملتين. رأيت امرأة محجبة تضع يد طفلتها الصغيرة على الحجر أولاً، قبل يدها هي. تقدمة. أو ربما هبة. كأنها تقول: قبل أن تبدئي الحياة، خذي من هنا ما يكفيك. ورأيت أخاً يحمل رضيعته ذات الربطة البيضاء على ذراعه. أدنى وجهها الصغير من الحجر. همس لها. الطفلة لا تعرف بعد أين هي، لكن يدها الصغيرة لمست ما لمسته أيدي البنائين الذين وقفوا يوماً في قلب مكة وأعادوا بناء البيت.

لماذا الأضحى تحديداً يجعل هذا المكان مختلفاً؟

عيد الأضحى ليس فقط عيد الذبح. هو في جوهره عيد البناء. إبراهيم عليه السلام بنى الكعبة بيديه. وحين أمره الله بذبح ابنه، سلم. وحين فدى الله إسماعيل بكبش، كان ذلك تأكيداً أن من يبني لله بصدق، يحميه الله. وكل من بنى الكعبة بعد إبراهيم، من قريش إلى عبد الله بن الزبير، إلى المهندسين المصريين في 1630 م، كانوا يكررون نفس الفعل: التسليم لله، والبناء بيده، والإيمان بأن ما يُبنى لله لا يموت. حين تقف أمام هذا الحجر في أيام العشر، أنت لا تقف أمام صخرة. أنت تقف أمام أربعة آلاف سنة من البشر الذين قرروا أن لا يتركوا بيت الله يسقط.

ما قاله الحجر لمن أصغى

سألت زائراً وهو يبتعد، عيناه فيهما ما يشبه الدموع التي لم تسقط بعد: "بتحس بإيه لما بتلمس الحجر؟" توقف. فكر. ثم قال بهدوء: "بحس إن في حاجة بتنقلك. مش عارف أوصفها. بس جسمي حس إنه في مكان تاني". في زمن نركض فيه خلف كل شيء، ويصعب فيه أن تجد لحظة تقف فيها مع نفسك حقاً، يقف هذا الحجر الجرانيتي الداكن في زاوية هادئة من القاهرة، ويعرض عليك صفقة غريبة.