«وآدي إحنا بنينا السد العالي».. قصة تحويل نقمة فيضان النيل إلى نعمة
قصة تحويل نقمة فيضان النيل إلى نعمة

في السادس عشر من مايو عام 1964، احتفلت مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بانتهاء العمل في المرحلة الأولى من السد العالي، ذلك المشروع العظيم الذي نجح في تطويع نهر النيل وتحويل فيضاناته المدمرة إلى مصدر للطاقة الكهربائية والتنمية المستدامة.

أهمية نهر النيل للمصريين

أدرك المصريون أهمية نهر النيل منذ العصور القديمة، فأقاموا مشروعات التخزين السنوي مثل خزان أسوان وخزان جبل الأولياء للتحكم في إيراد النهر المتغير، بالإضافة إلى القناطر لتنظيم الري. ورغم ذلك، كانت هذه المشروعات مجرد علاج جزئي، إذ يختلف إيراد النهر بشكل كبير من عام لآخر، حيث يصل أحيانًا إلى 151 مليار متر مكعب أو يهبط إلى 42 مليار متر مكعب سنويًا، مما يجعل الاعتماد على التخزين السنوي خطرًا كبيرًا قد يعرض الأراضي الزراعية للبوار في سنوات الجفاف.

فكرة السد العالي

من أجل التغلب على هذه المشكلة، اتجه التفكير إلى بناء سد ضخم لتخزين المياه في الأعوام ذات الإيراد العالي لاستغلالها في الأعوام المنخفضة. وهكذا كان السد العالي أول مشروع للتخزين المستمر على مستوى دول الحوض يُنفذ داخل الحدود المصرية. بدأت الفكرة عندما تقدم المهندس المصري اليوناني الأصل أدريان دانينوس إلى قيادة ثورة 1952 بمشروع لبناء سد عند أسوان لحجز الفيضان وتخزين المياه وتوليد الكهرباء. بدأت الدراسات في 18 أكتوبر 1952 بقرار من مجلس قيادة الثورة، واستقر الرأي على أن المشروع قادر على تلبية احتياجات مصر المائية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التصميم والتمويل

في أوائل عام 1954، تقدمت شركتان ألمانيتان بتصميم للمشروع، راجعته لجنة دولية وأقرته في ديسمبر 1954 مع وضع المواصفات. واجه المشروع تحديات مالية، إذ طلبت مصر تمويلًا من البنك الدولي، الذي أقر جدوى المشروع بعد دراسات مستفيضة، وتقدم في ديسمبر 1955 بعرض لتقديم ربع التكاليف. لكن البنك سحب عرضه في 19 يوليو 1956 بسبب ضغوط استعمارية.

أنقذت الدبلوماسية المصرية الموقف، ففي 27 ديسمبر 1958 وُقعت اتفاقية بين مصر والاتحاد السوفيتي لإقراض مصر 400 مليون روبل للمرحلة الأولى. وفي مايو 1959، راجع الخبراء السوفييت التصميمات واقترحوا تغيير موقع محطة القوى واستخدام تقنية خاصة في غسيل الرمال. وفي ديسمبر 1959، وُقعت اتفاقية توزيع مياه الخزان بين مصر والسودان.

بدء التنفيذ

بدأ العمل في المرحلة الأولى في 9 يناير 1960، وشمل حفر قناة التحويل والأنفاق وتبطينها بالخرسانة وصب أساسات محطة الكهرباء وبناء السد حتى منسوب 130 مترًا. احتفل الفنانون بهذه الخطوة، حيث قدم عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة «قلنا هنبني وآدي إحنا بنينا السد العالي». استمر الدعم السوفيتي، ففي 27 أغسطس 1960 وُقعت اتفاقية ثانية لإقراض مصر 500 مليون روبل إضافية للمرحلة الثانية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الاكتمال والافتتاح

انطلقت الشرارة الأولى من محطة كهرباء السد العالي في أكتوبر 1967، وبدأ تخزين المياه بالكامل منذ عام 1968. في منتصف يوليو 1970 اكتمل صرح المشروع، وفي 15 يناير 1971 تم الاحتفال بافتتاح السد العالي بتكلفة إجمالية بلغت 450 مليون جنيه. وهكذا تحولت نقمة فيضان النيل إلى نعمة دائمة لمصر.