يواصل الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وحكومته اتباع سياسة التفريط في الصروح الوطنية، مستخدمين كل الأساليب الممكنة لتحقيق هدفهم بأسرع وتيرة ممكنة، بهدف توفير موارد مالية تمكنهم من سداد نحو 56 مليار دولار من أقساط الدين الخارجي المستحق. ويتجاوز إجمالي الدين الخارجي حالياً نحو 160 مليار دولار وفقاً للإحصاءات الرسمية، وهو ما يفسر حالة الغلاء المتصاعدة في أسعار مختلف السلع والخدمات التي تفرضها الحكومة على المواطن من آن لآخر.
شعار التجميل بدلاً من الاعتراف
ترفع الحكومة شعار "أنا لا أكذب، ولكني أتجمل"، حيث تطلق على سياسة التفريط هذه مسمى "استثمار" بهدف تضليل الشعب وعدم الاعتراف صراحة بأنها عمليات بيع وتفريط في أصول الدولة. وفي هذا الإطار، لجأت الحكومة مؤخراً إلى ما يسمى بالقيد المؤقت لأسهم ستة شركات حكومية كبرى لها سجل مشرف في تاريخ الصناعة الوطنية، وذلك في بورصة الأوراق المالية، تمهيداً لطرح تلك الأسهم بشكل رسمي بعد ستة أشهر.
الشركات الستة المطروحة
الشركات الستة هي: شركة النصر للتعدين، شركة الإسكندرية للحراريات، شركة النصر للزجاج والبلور، والشركة المصرية للسبائك الحديدية، وهذه أربع شركات تتبع الشركة القابضة للصناعات المعدنية. بالإضافة إلى الشركة المصرية للمواسير وصناعة المنتجات الأسمنتية (سيجوارت)، وشركة النهضة للصناعات، وهما شركتان تتبعان الشركة القابضة الكيماوية.
تجميل التصريحات وتضليل الرأي العام
أكبر دليل على أن الحكومة تتجمل في تصريحاتها الخادعة والمضللة، هو إعلانها أن القيد المؤقت بالبورصة لا يعني بالضرورة بيع الشركة بالكامل، بل هو جزء من إجراءات الطرح، بما يعني أنها ستطرح حصصاً من أسهم هذه الشركات وتحتفظ بحصة منها. وهذا، بلا جدال ووفقاً للأعراف الاقتصادية، يسمى بيعاً صريحاً لجانب من أسهم تلك الشركات، وهو هدف أسمى تسعى الحكومة لتحقيقه، خاصة وأن الشركات العامة تعد بمثابة "الدجاجة التي تبيض ذهباً" للدولة، ويدر بيعها دخلاً كبيراً يساعدها على سداد ديونها. فقد حققت حصيلة بيع 17 شركة حكومية سابقة للدولة موارد قدرها 5.7 مليار دولار في الفترة من مارس 2022 حتى نهاية عام 2024.
القيد المؤقت كحل تقني لتسريع الطروحات
لجأت الحكومة إلى آلية القيد المؤقت كحل تقني وإداري لتسريع وتيرة برنامج الطروحات وتفادي العقبات الروتينية الطويلة. تسمح هذه الآلية بوضع الشركات على شاشات البورصة ومنحها كوداً للتداول قبل استكمال كافة الأوراق القانونية النهائية، مما يختصر 50% من المجهود الإداري المطلوب عند اتخاذ قرار الطرح الفعلي. كما تمنح الشركات فترة سماح مدتها 6 أشهر لاستيفاء متطلبات الإفصاح والحوكمة وتجهيز القوائم المالية، وهي مرحلة انتقالية لرفع جاهزيتها قبل طرحها للجمهور أو لمستثمرين استراتيجيين.
الخصخصة بأسلوب جديد
رغم أن كل هذه الخطوات تسمى خصخصة، إلا أن الحكومة تعتبر هذا المصطلح سيئ السمعة لأنه يذكر الشعب بحكومات مبارك التي كانت تقوم بتصفية الشركات العامة، ولكن كان التركيز على شركات خاسرة أو تحت التصفية في أغلب الصفقات. أما حكومة مدبولي فلا تهتم بالمركز المالي للشركة، بل تفضل بيع الشركات الرابحة لأنها أكثر جذباً للمستثمرين، خاصة الأجانب.
مخاوف عمالية واقتصادية
هناك مخاوف عديدة من هذا التوجه الحكومي، والذي يؤدي إلى تسريح العمالة وتقليص الامتيازات والحقوق العمالية، كما هو الحال حالياً مع عمال شركة آمون للأدوية التي تم بيعها لمستثمر أجنبي، والذي رفض صرف مستحقات العمال. كما أن طرح حصص في هذه الشركات الاستراتيجية قد يضع قرارات اقتصادية هامة في يد مستثمرين يبحثون عن الربح فقط ولا علاقة لهم بالمصلحة العامة. بالإضافة إلى ذلك، قد تتعرض أسهم الشركات لتذبذبات حادة بناءً على وضع الدولة العام أو أخبار غير مستقرة، مما قد يؤثر على تقييم هذه الشركات وقيمتها السوقية بشكل غير عادل. وفي حال استحواذ مستثمرين أجانب على حصص كبيرة، قد تُحول الأرباح مستقبلاً إلى الخارج بالعملة الصعبة، مما يشكل ضغطاً إضافياً على ميزان المدفوعات في المدى الطويل.



