في السابع عشر من مايو عام 1896، شهدت الكويت حدثاً مفصلياً أعاد رسم خارطة الحكم والسياسة في المنطقة. ففي تلك الليلة، انتهى عهد الشيخ محمد بن صباح الصباح، الحاكم السادس للبلاد، لتبدأ حقبة جديدة وممتدة تحت قيادة أخيه الشيخ مبارك الصباح، الملقب بـ «مبارك الكبير».
لم تكن هذه اللحظة مجرد انتقال للسلطة في سياق زمني عادي، بل كانت إيذاناً بولادة الكويت الحديثة وسط محيط إقليمي وجيوسياسي بالغ التعقيد، مما يجعل من قراءة هذا الحدث ضرورة لفهم التحولات التي صاغت هوية الدولة الكويتية.
محمد بن صباح: عهد الهدوء والتشاور
تولى الشيخ محمد بن صباح الصباح الحكم عام 1892 بعد وفاة والده الشيخ صباح الصباح، وعرف عهده بالهدوء النسبي والميل نحو المشورة. كان يعتمد بشكل كبير في إدارة شؤون البلاد المالية والتجارية على أخيه الشيخ جراح الصباح. في تلك الفترة كانت الكويت تعيش توازناً دقيقاً في علاقاتها مع القوى الإقليمية، وخاصة الدولة العثمانية، وكان نمط الحكم يميل إلى التقليدية في إدارة الموارد وحل النزاعات القبلية والتجارية.
مبارك الصباح: طموح رجل الدولة القوي
على الجانب الآخر، برز الشيخ مبارك الصباح كشخصية قيادية ذات كاريزما عسكرية وسياسية نافذة. كان مبارك مسؤولاً عن الشؤون العسكرية وتأمين حدود الكويت وتأديب القبائل المتمردة، مما أكسبه خبرة ميدانية واسعة وعلاقات وثيقة مع رجالات البادية والحضر على حد سواء. وبجانب قدراته العسكرية، امتلك مبارك رؤية سياسية تجاوزت الحدود المحلية، حيث كان يرى ضرورة تقوية مركز الكويت الدولي واستقلاليتها في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما خلق فجوة في الرؤى بينه وبين أخويه محمد وجراح حول طريقة إدارة الدولة وتوزيع المسؤوليات.
كواليس الخلاف واللحظة الحاسمة
تشير المصادر التاريخية إلى أن الخلاف بدأ يتصاعد نتيجة تباين وجهات النظر حول المسائل المالية وإشراك الشيخ مبارك في القرارات المصيرية للدولة. مع تزايد التوتر وشعور الشيخ مبارك بالتهميش، وصلت الأمور إلى طريق مسدود في ليلة 17 مايو 1896. وبحسب الروايات التاريخية الموثقة، وقع اشتباك في قصر الحكم أدى إلى مقتل الشيخين محمد وجراح الصباح، وتولى الشيخ مبارك الصباح السلطة فوراً، وأعلن نفسه حاكماً للكويت، في خطوة وُصفت بأنها كانت ضرورية من وجهة نظره لحماية كيان الدولة من الانهيار أو التبعية المطلقة.
نتائج استراتيجية عميقة
كان لتولي الشيخ مبارك الصباح الحكم نتائج استراتيجية عميقة غيرت وجه التاريخ الكويتي. بادر الشيخ مبارك بتوقيع اتفاقية تاريخية مع بريطانيا، وضعت الكويت تحت الحماية البريطانية، مما أمن استقلالها ومنع وقوعها تحت سيطرة القوى الإقليمية المتصارعة حينها. كما شهد عهده تنظيماً إدارياً وعسكرياً غير مسبوق، وبناء المؤسسات الأولى التي شكلت نواة الدولة الحديثة.
لُقب الحاكم الجديد بـ «مبارك الكبير» تقديراً لدوره في تأسيس الكيان السياسي المستقل للكويت، واعتبرت ذريته هي الفرع الذي ينحصر فيه حكم الكويت منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، حيث نقلوا الكويت من مشيخة صغيرة في قلب الخليج إلى دولة ذات سيادة ومكانة دولية مرموقة.



