في العام 1975 أنتجت السينما المصرية فيلم "أريد حلًا" تعاطفًا مع المرأة، ونسب إليه الفضل في تغيير قانون الأحوال الشخصية. ويحتل الفيلم مكانة متقدمة في قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية. فهل دار الزمان دورته، ونالت المرأة أكثر مما تستحق على حساب الرجل الذي صار يبحث عن كيان رسمي يتولى الدفاع عن حقوقه؟
في الفترة الأخيرة، تزايدت المطالب بإنشاء "المجلس القومي للرجل"، وازدادت حدة الجدل بين مؤيدين يرونه خطوة ضرورية لتحقيق التوازن التشريعي وحماية حقوق الرجل في ظل نسوية متنفذة، ومعارضين يعتبرونه إضافة قد تزيد من تعقيد المشهد وتؤجج الصراع بين الجنسين. وبين هذا وذاك، تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في قوانين الأسرة بما يضمن عدالة حقيقية لكافة الأطراف ويحافظ على استقرار الكيان الأسري دون انحياز.
عصام عجاج: نسعى لتحقيق التوازن المفقود في حفظ الحقوق
كشف عصام حجاج، مقدم دعوى إنشاء "المجلس القومي للرجل"، في تصريحات خاصة، أنه يسعى لتأسيس هذا المجلس لتولي عدة مهام رئيسية، من بينها مناقشة مشروعات القوانين المتعلقة بالرجل قبل عرضها على البرلمان، والمشاركة في إعداد تشريعات الأحوال الشخصية، والتصدي لأي ثغرات قانونية قد تضر بحقوق الرجال، ومواجهة ظاهرة الاغتراب الأبوي.
وأضاف "عجاج" أن من بين أهداف المجلس أيضًا الاهتمام بأوضاع الرجل المصري، والعمل على الحد من إبعاده عن أبنائه، والتصدي لفكرة الاغتراب الأبوي داخل الأسرة، ومواجهة ما وصفه بعمليات "الشحن النفسي" للأطفال ضد آبائهم، بما يحقق التوازن الأسري ويحافظ على استقرار الأسرة.
وأشار إلى أن الدستور ينص على مبدأ عدم التمييز بين الرجل والمرأة، معتبرًا أن وجود "المجلس القومي للمرأة" دون وجود كيان مماثل للرجل يمثل نوعًا من عدم التوازن. وأضاف أن جميع النصوص القانونية التي تم سنها بعد إنشاء المجلس القومي للمرأة جاءت منحازة للمرأة على حساب الرجل.
وأوضح أن إنشاء "المجلس القومي للرجل" سيكون بالتوازي مع المجلس القومي للمرأة، بما يضمن تحقيق التوازن في حماية الحقوق، والحفاظ على حقوق الرجل، وتطبيق مبدأ المساواة وعدم التمييز في الأطر التشريعية والمؤسسية.
وأكد أن المادة 53 من الدستور قررت مبدأ المساواة وعدم التمييز، بما يلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لترسيخ هذا المبدأ. كما أوضح أن الدستور أتاح إنشاء كيانات وطنية تعتني بالرقابة والرصد ودعم الحقوق والحريات، مما يؤكد أن إنشاء مجلس قومي جديد لا يعد خروجًا على الإطار الدستوري.
منة وحيد: آن الأوان لإنشاء مجلس قومي للرجل
تقول "منة وحيد"، رئيسة حملة تمرد ضد قانون الأسرة: إن المجلس القومي للطفولة والأمومة يعد الآلية الوطنية المعنية بالطفل والأم، أما المجلس القومي للمرأة فهو معني بإنشاء آلية وطنية للنهوض بأوضاع المرأة. وتتابع: "من الواضح أن هناك مجلسين معنيين بحقوق المرأة، كما لو أن المجتمع كله أصبح امرأة فقط، لتلبية مطالب كل ما تريده المرأة أو حتى تحلم به، حتى أن الطرف الأضعف في معادلة الأسرة والوطن وهو الطفل تم سحقه من خلال تعديلات قوانين لم يكن هدفها أبدًا الأسرة المصرية".
وأضافت: آن الأوان لأن يكون هناك مجلس قومي للرجل الذي أصبح ضحية قوانين تم إنشاؤها وتعديلها بناءً على هوى شخصي للبعض. ويزداد الوضع سوءًا ونحن نرى قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة هو عبارة عن تدمير البقية الباقية من الأسرة، وتغليب أحلام المرأة، وذلك بدعم من المجلس القومي للمرأة.
وتابعت: المجلس القومي للرجل سيجعل هناك ميزانًا عادلًا بين حقوق الرجل المهدرة في ظل غياب تام لمن يمثله، حتى أن مادة الحبس أصبحت مصاحبة لكل كلمة رجل أو زوج.
وتساءلت "وحيد": أي أسرة وأي استقرار يتحدثون عنه في ظل ملاحقة الرجل بأحكام الحبس؟ حتى أن وزارة العدل تناست أن الحد الأدنى للأجور لم يطبق بالكامل، وإن وجد فلا علاقة له بالأحكام التي تتم على الزوج.
وأكدت "منة" أن المجلس القومي للرجل أصبح ضرورة ملحة ولا بد من إنجازها حتى لا نصل برجال مصر إلى حد الانفجار. وأشارت إلى أنه منذ بداية التعديلات في قانون الأسرة بدأت شكاوى الآباء من رفع سن الحضانة وانهيار علاقة الأب بالطفل، ناهيك عن الرؤية التي لم تكن موجودة من قبل هذه التعديلات.
إيهاب صلاح: نطالب بالمساواة مع المرأة
وجه إيهاب صلاح، منسق حملة "تمرد ضد قانون الأسرة"، انتقادات حادة للدور الذي يقوم به المجلس القومي للمرأة، في ظل المطالب بضرورة إحداث توازن تشريعي يحمي كيان الأسرة المصرية من الانهيار.
استهل صلاح حديثه بطرح تساؤلات جوهرية حول الإضافة الحقيقية التي قدمها المجلس القومي للمرأة منذ تأسيسه عام 2000، سواء للمرأة أو للأسرة أو للدولة المصرية ككل. وأشار إلى أن معدلات الطلاق زادت منذ إنشاء المجلس، واصفًا الوضع بـ"الخراب والدمار الأسري المستمر".
وفي خطوة تصعيدية، طالب "صلاح" بضرورة تدشين "مجلس قومي للرجل"، استنادًا إلى المادة 53 من الدستور المصري التي تحظر التمييز بكافة أشكاله بين الجنسين. وأكد أن الواقع الحالي يشهد "انحيازًا كاملًا" لصالح طرف على حساب الآخر.
ووصف "صلاح" قوانين الأسرة الحالية بأنها نتاج "عهد بائد"، مؤكدًا أنها وضعت لمعالجة حالات فردية أو لمجاملة فئات معينة، ثم فرضت على المجتمع دون إجراء حوار مجتمعي حقيقي.
وسلط منسق حملة تمرد ضد قانون الأسرة الضوء على الفجوة الكبيرة في الحقوق القضائية، حيث يمنح القانون الزوجة الحق في رفع نحو 20 قضية متنوعة، في حين لا يملك الرجل سوى قضيتي "الرؤية والطاعة"، واللتين وصفهما بأنهما "بلا قيمة فعلية على أرض الواقع".
لمياء بسيوني: المجتمع يحمي الرجل!
وجهت لمياء بسيوني، مؤسسة حملة "أمهات تصنع المستحيل"، انتقادات حادة للأصوات التي تنادي بضرورة وجود "مجلس قومي للرجل"، مؤكدة من خلال واقع 52 ألف أم مطلقة داخل الحملة أن الرجل في المجتمع المصري يتمتع بكافة الامتيازات التي تجعله في غنى عن أي كيانات إضافية لحمايته.
أوضحت "بسيوني" أن الرجل المطلق لا يواجه أي اضطهاد مجتمعي، بل على العكس، فإن "المجتمع كله واقف مع الزوج"، مشيرة إلى أن الرجل المطلق يستطيع الزواج وتكوين أسرة جديدة فور الطلاق دون أن يعيبه كونه "مطلقًا"، بينما يلوم المجتمع المرأة ويفتش عن عيوبها.
وشرحت "بسيوني" ادعاءات حاجة الرجل للحماية القانونية، مشيرة إلى أن الواقع في المحاكم يكشف عن قوة موقف الرجل وقدرته على المناورة، مثل "تضليل الدخل"، حيث يتعمد العديد من الرجال التضليل في الدخل لصدور أحكام نفقة زهيدة، فضلًا عن "سلب الحقوق السكنية" حيث يقوم بعض الرجال بكتابة ممتلكاتهم بأسماء أقاربهم للتحايل على حق الزوجة في شقة الحضانة، وأيضًا "التهرب من النفقة" الذي يدفع الدولة لحرمان الممتنعين عن دفع النفقة من الخدمات الحكومية.
رفضت "بسيوني" فكرة المساواة في الحاجة لمجالس قومية، قائلة: "الرجل مش محتاج حد يقف جنبه"، فبينما تغرق الأم في دوامة من القضايا وأتعاب المحامين والضغط النفسي والمادي، يعيش الرجل حياته بشكل طبيعي دون أي ضغوط مشابهة.
المستشارة هايدي فضالي: مجلس الأسرة بديل عادل
تقول المستشارة هايدي فضالي، رئيسة محكمة الأسرة سابقًا: إن طرح فكرة إنشاء مجلس قومي للرجال جاء كرد فعل لوجود المجلس القومي للمرأة، ولكن سلبياته أكثر من إيجابياته، وسيواجه تحديات كثيرة ومخاطر تتمثل في زيادة الصراع بين الجنسين بدلًا من تحقيق التوازن.
وأوضحت: المجالس القومية تنشأ غالبًا لدعم الفئات الضعيفة، فقد تم إنشاء المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة وذوي الإعاقة في سبيل رعاية وحماية الطرف الضعيف، لكن إنشاء مجلس للرجل يجعل الفكرة تفقد معناها وهدفها.
وأوضحت أن إنشاء مجلس قومي للرجل يعتبر تكرارًا لأدوار موجودة بالفعل، قائلة: "يعني الرجالة في مصر كلهم عندهم تمثيل قومي في مؤسسات الدولة؛ في برلمان، في حكومة، في نقابات، والسيدات في كثير من الأحيان تكون 'كوتة' فقط، لذلك إنشاء كيان آخر للرجال تكرار لا قيمة حقيقية له".
واستكملت قائلة: من الممكن استغلال فكرة المجلس القومي للرجل بشكل خاطئ، وتحويلها لمنصة للضغط على المكتسبات التي حققتها المرأة خلال السنوات الماضية، خاصة فيما يتعلق بقوانين النفقة والحضانة.
واقترحت بديلًا يتمثل في إنشاء مجلس قومي للأسرة أو مجلس أعلى للأسرة، يتولى النظر إلى مصلحة الأسرة ككل، ومعالجة القضايا المرتبطة بها بشكل شامل، مثل تنظيم حق الرؤية واستبداله بالاستضافة، وإيجاد حلول لأعباء النفقة، من بينها إنشاء صندوق لدعم الطفل أو الأم في حال تعثر الأب.
عضو القومي للمرأة: الأمر مطروح أمام القضاء
أكدت أم كلثوم شلش، عضو المجلس القومي للمرأة، أن السياسة العامة للمجلس ترتكز على عدم الخوض في تفاصيل أي مشروعات قوانين أو قضايا مجتمعية ما لم تكن مستندة إلى دراسات علمية دقيقة.
وحول مطالب تدشين مجلس قومي للرجل، قالت "أم كلثوم" إن المجلس اعتاد على ألا يتم الحديث الرسمي إلا في حال وجود ملامح واضحة ودراسة متكاملة للمشروع المقترح. وأوضحت: سياستنا واضحة، نحن لا نتحدث عن أمر ليس له دراسة مستفيضة، فالمجلس يعمل وفق أسس موضوعية بعيدًا عن الحديث المفتقد للملامح الواضحة.
وأكدت عضو المجلس القومي للمرأة على الثقة الكاملة في المنظومة القضائية، قائلة: "القضاء هو من سيقول كلمته النهائية في مدى أحقية الرجال في إقامة مجلس قومي خاص بهم".



