في ذكرى وفاته الخامسة: محطات في حياة نجم مصر والنادي المصري مدحت فقوسة
ذكرى وفاة مدحت فقوسة: مسيرة حافلة مع المصري

تحل اليوم الذكرى السنوية الخامسة لوفاة الكابتن مدحت فقوسة، أحد الرموز التاريخية للنادي المصري والمدير الفني لمنتخب مصر العسكري الحاصل على بطولة العالم التي أقيمت بالمغرب عام 1993. رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 2021 عن عمر يناهز خمسة وسبعين عامًا. نقدم من خلال السطور التالية أبرز المحطات في حياة النجم الراحل.

النشأة والبدايات

ولد الكابتن مدحت فقوسة في بورسعيد في الأول من أبريل عام 1946 لعائلة من أعرق عائلات بورسعيد. جده لأبيه هو عوض بك فقوسة، أحد أهم أعيان بورسعيد وأحد الرعيل الأول من الآباء المؤسسين للنادي المصري في 18 مارس 1920. والده هو الكابتن سيد فقوسة، أحد أهم نجوم المصري خلال نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات.

ذاع صيت مدحت فقوسة منذ الصغر بمهارته الفائقة في مداعبة الكرة وسرعته منقطعة النظير. تلقفته العين الخبيرة لنجم المصري الراحل الكابتن عادل الجزار، الذي ضمه إلى فريق الأشبال مطلع الستينيات بصحبة عدد كبير من رفاقه الذين صاروا نجوم المصري ونالوا شرف الدفاع عن ألوانه خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الانضمام للفريق الأول

لم يكد نجمنا الراحل يبلغ الثامنة عشر عامًا إلا وضمه المدير الفني اليوغسلافي للمصري “كوكيزا” لصفوف الفريق الأول. وجد نفسه محاطًا بعدد كبير من النجوم يتقدمهم محمد بدوي “فتاكة” ومحمد شاهين وعبد الرؤوف رزق ومنير جرجس الليوي ومصطفى الشناوي وغيرهم، الذين أحاطوا نجمنا الراحل بقدر كبير من الرعاية والاهتمام تقديرًا لموهبته الفائقة.

لفت مدحت فقوسة الأنظار بشدة وعرفته جماهير الكرة المصرية عندما تألق بشدة في مباراة المصري والأهلي بالجولة التاسعة للدوري موسم 1965/1964، التي أقيمت على ستاد المصري ببورسعيد في 15 يناير 1965. نجح المصري في الفوز بهدفين للاشئ، وقدم الناشئ الصغير مدحت فقوسة مستوى رائعًا، خاصة بعد نجاحه في إهداء زميله محمد شاهين هدف تأكيد الفوز، لتحمله جماهير المصري على الأعناق فرحًا بمولد نجم جديد.

نجح مدحت فقوسة خلال هذا الموسم في إحراز أول أهدافه مع المصري في مباراته أمام السكة الحديد التي أقيمت على ستاد المصري ببورسعيد في 9 مارس 1965، وانتهت بفوز المصري بهدفين مقابل هدف. أضاف زميله محمد بدوي الهدف الثاني، بينما تكفل كمال عتمان بإحراز هدف السكة الحديد الوحيد. عاد فقوسة ليحرز هدف الفوز لفريقه على مضيفه فريق القناة في المباراة التي أقيمت بالإسماعيلية في 12 مارس من العام نفسه، لتتعالى الأصوات داخل بورسعيد مطالبة بضم نجمها لصفوف منتخب مصر.

الانتقال للأهلي والعودة للمصري

مع مطلع الموسم التالي، التحق مدحت فقوسة بالكلية الجوية، مما اضطره للانتقال للقاهرة. حصل على الاستغناء للانضمام لصفوف فريق الطيران، ولعب له لموسمين قدم خلالهما مستوى طيبًا للغاية. لكن عدوان يونيو 1967 تسبب في إيقاف المسيرة الكروية مؤقتًا لنجمنا الراحل في وقت لم يتجاوز فيه الحادية والعشرين من العمر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مع عودة النشاط الكروي مطلع موسم 1972/1971، انضم مدحت فقوسة لصفوف النادي الأهلي، ليكون واحدًا من الجيل الذي أطلق عليه الناقد الكبير نجيب المستكاوي “جيل التلامذة”، والذي نجح في حصد العديد من البطولات للنادي الأهلي خلال النصف الثاني من السبعينيات.

مع مطلع موسم 1976/1975، قرر النجم مدحت فقوسة العودة إلى موطنه، فعاد للنادي المصري حاملًا شارة القيادة لجيل عظيم. نجح خلال هذا الموسم في إحراز هدف وحيد للمصري في شباك فريق الاتحاد السكندري في المباراة التي أقيمت على ستاد المصري ببورسعيد في 19 يناير 1976، وانتهت بفوز المصري بهذا الهدف.

الاعتزال والتدريب

بنهاية موسم 1977/1976، قرر النجم الراحل مدحت فقوسة الاعتزال. تم تكليفه من قبل مجلس إدارة النادي المصري بالإشراف على تدريب فريق الشباب تحت 16 عامًا، وهو الفريق الذي نجح فقوسة في قيادته للفوز ببطولة منطقة القناة.

حرصًا على صقل خبراته التدريبية بالعلم والدراسة، حصل نجمنا الراحل على العديد من الدورات التدريبية داخل وخارج مصر. سافر خصيصًا إلى إنجلترا والبرازيل للاطلاع على العلوم الحديثة في مجال التدريب.

بعد عودته، عمل مدحت فقوسة لفترة معاونًا للكابتن عادل الجزار في قيادة الفريق الأول للكرة بالنادي المصري، قبل أن يتم اختياره من قبل مجلس إدارة النادي المصري للعمل مساعدًا للمدير الفني المجري الأسطوري فيرينتس بوشكاش، الذي تولى قيادة المصري مطلع موسم 1980/1979.

استمر مدحت فقوسة في العمل مع بوشكاش لنحو ثلاثة مواسم، نجح خلالها الفريق في حصد المركز الثالث لموسمين متتاليين 1980/1979 و1981/1980. كان المصري خلال تلك الفترة قريبًا من حصد بطولة الدوري موسم 1982/1981 لولا أحداث مباراة الزمالك ببورسعيد، التي ابتعدت بالمصري عن المنافسة.

استمر فقوسة في العمل مساعدًا لعدد من المديرين الفنيين الأجانب، قبل أن يقرر الراحل العظيم الأستاذ السيد متولي تكليفه بقيادة الفريق الأول للمصري موسم 1988/1987. نجح فقوسة في قيادة المصري للوصول لدور الثمانية من بطولة كأس مصر بعد الإطاحة بالأهلي في مباراة دور الستة عشر التي أقيمت على ستاد القاهرة في 1 يوليو 1988، وانتهت بفوز المصري بركلات الترجيح بعد نهاية المباراة بالتعادل الإيجابي بهدفين لكل فريق. في الموسم التالي، واصل فقوسة قيادة المصري وتقديم مستوى متميز للغاية. نجح في قيادة الفريق للفوز على الزمالك والأهلي في غضون شهر واحد. فاز المصري على الزمالك ببورسعيد في 3 فبراير 1989 بهدف جمال جودة، والذي نجح أيضًا في إحراز هدف الفوز على الأهلي ببورسعيد في المباراة التي أقيمت على ستاد المصري في 28 فبراير من العام نفسه.

كان المصري تحت قيادة الراحل مدحت فقوسة قريبًا من حصد بطولة كأس مصر موسم 1989/1988. قاد فقوسة المصري للوصول للمباراة النهائية أمام الأهلي بعدما أطاح في طريقه بفرق طنطا والأوليمبي والاتحاد، قبل الخسارة أمام الأهلي في النهائي. كانت تجربة مدحت فقوسة مع المصري خلال تلك الفترة ناجحة للغاية، خاصة بعد نجاحه في تقديم عدد كبير من اللاعبين الناشئين من أبناء النادي المصري الذين دافعوا عن ألوان المصري لسنوات طويلة.

التجارب التدريبية اللاحقة وإنجاز العالم العسكري

خاض رمزنا الراحل مدحت فقوسة عددًا من التجارب التدريبية الناجحة داخل وخارج مصر. لعل أبرزها كانت مع نادي المريخ البورسعيدي موسم 1992/1991. قدم المريخ تحت قيادة فقوسة عروضًا قوية للغاية رغم ضعف الإمكانيات، وهو الأمر الذي دفع المسؤولين عن جهاز الرياضة العسكري لترشيح مدحت فقوسة لقيادة المنتخب العسكري الذي كان يستعد آنذاك للمشاركة في بطولة العالم العسكرية بالمغرب عام 1993.

بقوام غالبيته من اللاعبين الشباب، نجح مدحت فقوسة في تحقيق الإنجاز الأبرز للكرة المصرية آنذاك بقيادته للمنتخب العسكري لحصد بطولة كأس العالم العسكري للمرة الأولى في تاريخه. أطاح بعدد كبير من المنتخبات تباعًا، ثم فاز على صاحب الأرض والجمهور المنتخب المغربي في المباراة النهائية بعد ماراثون طويل. نجح فقوسة بخبرته الكبيرة في قيادة الفراعنة للفوز على أسود الأطلسي بثلاثة أهداف مقابل هدفين. لم يتوقف نجاح مدحت فقوسة عند هذا الحد، بل نجح في تقديم للمنتخبات الوطنية عدد كبير من اللاعبين، منهم على سبيل المثال لا الحصر ياسر رضوان، سمير كمونة، محمود أبو الدهب، مصطفى صادق وغيرهم من النجوم الذين أصبحوا أهم الركائز الأساسية للمنتخب الأول خلال السنوات التالية بفضل العين الثاقبة للقدير مدحت فقوسة.

التكريم والاعتزال

انهال التكريم على نجمنا الراحل مدحت فقوسة عقب تحقيقه لهذا الإنجاز الأسطوري. احتفت به كافة أجهزة الدولة وقياداتها السياسية. لم يتوقف التكريم عند ذاك الحد، بل امتد للجهات الشعبية وأبناء مدينة بورسعيد الذين حرصوا لأشهر عديدة على إقامة حفلات التكريم لنجمهم الذي رفع اسم مدينتهم عاليًا.

فجأة ودون أية مقدمات، قرر النجم مدحت فقوسة اعتزال التدريب وهو لم يتجاوز السابعة والأربعين من العمر، اكتفاء بما حققه من إنجاز. رغم العروض المادية الضخمة التي انهالت عليه خلال تلك الفترة، والتي كادت أن تجعل منه المدير الفني صاحب الراتب الأضخم آنذاك في تاريخ الكرة المصرية، إلا أنه رفض بتاتًا تلك العروض مقررًا الاعتزال والابتعاد عن مجال الكرة.

الجانب الإنساني

رغم ابتعاده عن كرة القدم، لم يبتعد عن الجمهور الذي عشقه. كان الراحل مدحت فقوسة بمثابة نائبًا للشعب، بيته مفتوح للجميع وخدماته في سائر المجالات لأبناء بورسعيد لا تنقطع. كم من حالات إنسانية سعى الراحل القدير مدحت فقوسة لخدمتها حتى لو عانى الأمرين في سبيل ذلك. لم يدخر الراحل القدير وسعًا في سبيل مساعدة الآخرين سواء عرفهم أم لم يعرفهم، فالكل عنده سواء. لأبناء بورسعيد مكانة كبيرة في قلبه، يكفيه فقط أن تكون بورسعيديًا فيقابلك بكل الترحيب والمودة ويقضي لك حاجتك. إنه مدحت فقوسة الإنسان، صاحب البسمة أينما وجد، وأحد ظرفاء العصر بما يحمله من سمات جميلة أبرزها سرعة البديهة وروح الفكاهة التي جعلت منه نجمًا تتخاطفه القنوات الفضائية ووسائل الإعلام سعيًا للاستماع لنوادره التي لا تعد ولا تحصى.

رحم الله فقيدنا الغالي، رمزنا الكبير الكابتن مدحت فقوسة، الذي رحل عن عالمنا بجسده فقط، لكن روحه الطاهرة لم ولن تفارق عشاقه ومحبيه من أبناء بورسعيد الذين شعروا بعشقه لهم فبادلوه عشقًا بعشق.