رغم ما نشهده في زماننا من تزاحم الصور السريعة وتصدر الترندات واجهة الوعي، فإن ثمة نماذج حقيقية من طراز نادر تمر دون ضجيج، كأنها تختبر قدرتنا على التمييز بين اللمعان العابر والضوء الأصيل. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم عمر عثمان، لا بوصفه حكاية نجاح فردية تُروى للإلهام فقط، بل باعتباره علامة كاشفة لخلل أعمق في ترتيب أولوياتنا الثقافية والتعليمية.
بداية الرحلة
فالصبي الذي قرر، وهو في مقتبل المرحلة الإعدادية، أن يقيس نفسه بمعايير الجامعات لا بمعايير عمره، لم يكن يسعى إلى لقب مبكر، بل إلى اختبار صادق لقدراته. وحين التقطه أحد الأساتذة وهو الدكتور أكرم مسعد، أستاذ الرياضيات بالجامعة الأمريكية، ونظر في عينيه وقال له بصراحة: "مكانك ليس هنا يا بني.. أنت يا صديقي يجب أن تطير بعيدًا".
ومن بعدها أقلع الطفل عمر بروحه الكبيرة إلى فرنسا في سن السادسة عشرة، لم يأبه بما ينتظره من صعوبات حقيقية أقلها لغة جديدة، مجتمع مغاير، وضغط نفسي قد يثني أي شاب في عز شبابه عن المواصلة. إلا أن عمر لم يكن شابًا عاديًا، فقد اجتاز أربعة اختبارات قاسية لدخول الجامعة هناك، متحديًا كل الصعوبات.
إنجازات مبكرة
وبعد سنوات قليلة فقط، حصل على الماجستير في الرياضيات وهو في الثامنة عشرة، ثم على الدكتوراه من جامعة "ديوك ـ باريس" التي تُصنف ضمن الخمس الأوائل عالميًا في تخصصاتها، وهو في الثانية والعشرين من عمره، ليصبح أصغر مصري وعربي وأفريقي يحصل على تلك الدرجة العلمية.
نقطة التحول هنا هي ما فعله الدكتور أكرم مسعد الذي أبصر هذه الشرارة وأدرك أن مكانها أوسع من القوالب التقليدية، فانفتح أمامه مسار مختلف تمامًا؛ مسار لا تحكمه السنون بقدر ما تحكمه الكفاءة.
عبور إلى بيئة حاضنة
رحلة عمر إلى الخارج لم تكن انتقالًا جغرافيًا بقدر ما كانت عبورًا إلى بيئة تُنصت للموهبة وتضعها تحت ضغط علمي حقيقي. وهناك، وسط لغة جديدة وثقافة مغايرة، لم يتراجع، بل أعاد تشكيل نفسه عبر تحديات متراكمة قادته في سنوات قليلة إلى إنجازات مبكرة، وصولًا إلى نيل الدكتوراه عبر برامج مرتبطة بـ Duke University، ثم الانخراط في مسار بحثي داخل Paris-Saclay University، حيث تتقاطع المعايير الصارمة مع حرية التفكير.
هذه التفاصيل، على أهميتها، ليست جوهر القصة بقدر ما هي شواهد عليها؛ لأن القيمة الحقيقية تكمن في الدلالة: العقل العربي قادر على المنافسة حين يجد بيئة عادلة، والموهبة لا تعترف ببطاقة هوية بقدر ما تعترف بمنظومة تكتشفها وتدعمها.
مفارقة مؤلمة
من هنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فجيل السوشيال ميديا الذي يُتهم بالسطحية ليس بالضرورة عاجزًا، بل يعيش داخل منظومة تُقدّم له نماذج ملتبسة للنجاح، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الأثر، وتُمنح الشهرة لمن يملك القدرة على الجذب لا لمن يملك القدرة على الإضافة.
في هذا السياق، لا تبدو قصة عمر عثمان دعوة للانسحاب من العصر، بل لإعادة تعريف العلاقة معه: التكنولوجيا أداة يمكن أن تُسرّع التعلم كما يمكن أن تُبدّده، والفارق يصنعه الوعي. إن النموذج الذي يقدمه هذا الشاب يقول ضمنًا إن النجاح ليس تراكم ألقاب بقدر ما هو تراكم أسئلة، وأن الجرأة الحقيقية ليست في الظهور، بل في اختبار الذات خارج مناطق الأمان، وفي تحمّل كلفة المعرفة من جهد وغربة وانضباط.
دروس للدول
وإذا اتسع الأفق قليلًا، سنجد أن هذه الفكرة لا تخص الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى الدول. فالتجارب التي استطاعت الصمود أمام ضغوط هائلة لم تعتمد على مواردها الطبيعية فقط، بل على قدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة. تجربة إيران، بعيدًا عن الجدل السياسي، تقدم مثالًا واضحًا على أن الاستثمار طويل المدى في التعليم والبحث العلمي وبناء الكوادر يمكن أن يصنع توازنًا حتى في ظل اختلالات قاسية في موازين القوى.
لم يكن الرهان هناك على رد الفعل اللحظي، بل على تراكم معرفي يصنع قدرة ذاتية في التكنولوجيا والعلوم، ويؤسس لخطاب ثقافي متماسك يمنح المجتمع ثقة في نفسه. هذه ليست وصفة جاهزة، لكنها إشارة دالة: من يمتلك العلم يمتلك أدوات الفعل، لا مجرد رد الفعل.
الواقع العربي والمصري
هنا تبدو المسألة العربية، والمصرية تحديدًا، أكثر إلحاحًا؛ إذ تتجاور ثروات طبيعية هائلة مع ثروة بشرية قد تكون الأثمن على الإطلاق، لكنها لا تُستثمر بالقدر الكافي. مصر، التي أنجبت نماذج مثل عمر عثمان، لا تعاني من نقص في العقول، بل من نقص في المنظومات التي تكتشفها مبكرًا وتُبقيها داخل دوائر إنتاج المعرفة بدل أن تدفعها إلى الهجرة بحثًا عن بيئة حاضنة.
الفكرة ليست في استنساخ التجارب الأخرى، بل في استيعاب جوهرها: لا نهضة بلا تعليم نوعي، ولا تعليم بلا بحث، ولا بحث بلا حرية ومسؤولية، ولا قيمة لكل ذلك إن لم يتحول التفوق العلمي إلى قيمة اجتماعية مرئية تُحتفى بها كما يُحتفى بالنجومية السريعة. إن قصة عمر عثمان، في هذا المعنى، ليست استثناءً يُعلّق عليه الأمل، بل دليل على ما يمكن أن يكون قاعدة إذا تغيّرت شروط اللعبة. وهي تضعنا أمام سؤال لا يمكن تأجيله: هل نملك الشجاعة لإعادة ترتيب سلم القيم بحيث يصبح العقل المنتج للمعرفة في مقدمة المشهد؟
إن الإجابة لا تُكتب في المقالات بقدر ما تُبنى في السياسات، وفي قاعات الدرس، وفي الطريقة التي نختار بها من نمنحهم الضوء. وحين يحدث ذلك، لن نحتاج إلى البحث عن قدوة نادرة؛ لأن المجتمع نفسه سيصير بيئة تُنتج القدوات، ويصبح النجاح العلمي طريقًا طبيعيًا لا استثناءً لافتًا، ويغدو المستقبل امتدادًا منطقيًا لما نزرعه اليوم من إيمان بالعقل وقدرته على صناعة الفارق.
هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه لاكتشاف المواهب، وما أكثرهم في بلادنا.. لكنهم في حاجة إلى مد يد العون لصناعة العلماء والنجوم.



