وزارة الأوقاف: موضوع خطبة الجمعة القادمة "دعوة الإسلام إلى التراحم"
الأوقاف: خطبة الجمعة عن التراحم

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان «دعوة الإسلام إلى التراحم»، ضمن الإصدار الثاني والخمسين من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء». وأشارت الوزارة في بيان لها إلى أن الهدف المراد توصيله من موضوع الخطبة هو التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم، منوهة بأن الخطبة الثانية ستكون بعنوان «وآتوا حقَّهُ يومَ حصادِهِ».

نص خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن الرحمة التي يبثُّها الإسلام في القلوب، رحمة لا تعرف حدودًا، تمتد لتشمل الناس جميعًا بل تشمل الخلق كافة، حتى يغدو المجتمع كيانًا متراحمًا، وبحرًا زاخرًا بالمودة والرحمة، تتعانق فيه القلوب على الصدق، وتتلاقى فيه الأرواح على النصح، ويتجسد فيه أسمى معاني التعاطف والإنسانية فيما بينهم.

وفي ظلال هذه الرحمة، تزول قسوة القلوب، وتنكسر حدّة الأنانية، فيغدو الإنسان عونًا لأخيه، يشعر بألمه قبل أن ينطق، ويسعى في قضاء حاجته قبل أن يطلب، وتصبح العلاقات الإنسانية قائمةً على البذل لا على الأخذ، وعلى الإيثار لا على الاستئثار، هناك، تُبنى المجتمعات على أسسٍ من الرفق والتسامح، ويغدو الضعيف فيها مصونًا، والمحتاج مكفولًا، والمخطئ مُقوَّمًا برفقٍ لا بعنف، وبحكمةٍ لا بقسوة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الرحمة من أخص صفات الله

إن اللهَ عزَّ وجلَّ جعل اتصافه بالرحمن الرحيم عنوانَ كتابه الكريم، فافتتح به سوره، وكرَّر ذكره في آياته، فقد ورد اسم الرحمن في مواضع عديدة، واسم الرحيم في مواضع أكثر، ليغمر القلوبَ بمعاني الطمأنينة، ويُشيع في النفوس روحَ الرجاء، وجعل سبحانه رحمته سابقةً لغضبه، دلالةً على سَعة فضله، وعظيم إحسانه.

وعن سعة الرحمة الإلهية نطقت الآيات القرآنية على لسان المخلوقات النورانية: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: ٧]، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦].

رحمة الأنبياء والرسل

إذا كانت الرحمة من أخص صفات المولى تبارك وتعالى، فإنها من أخص صفات الأنبياء والرسل الكرام. ووصف الله تعالى رسوله الكريم مبيِّنا رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]. وأثبت الله عز وجل أن رحمته عامة شاملة بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

جسد واحد تنبض فيه القلوب رحمة

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [صحيح مسلم].

وفي القاعدة النبوية المباركة: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [سنن أبي داود].

في رعاية الضعفاء تتجلى الرحمة

يقصد بالضعفاء: الفقراء، والأيتام، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة، فالتراحم مع هذه الفئات ميزانُ رقيِّ المجتمعات، وعنوانُ إنسانيتها الصادقة؛ لذا جاء الإسلام مؤكدًا على حقوقهم، وأناط مسئوليتهم بالمجتمع، وجعل الفقير في ذمة الغني، والضعيف في ذمة القوي، والمريض في ذمة الصحيح.

جعل القرآن الكريم رعاية هذه الفئات من أعظم القُرُبات، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ} [النساء: ٣٦]. وجاءت السنة النبوية تؤكِّد هذا المعنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى [صحيح البخاري].

رحمة التشريع في رعاية الأطفال

عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [رواه البخاري].

التراحم في المعاملات المالية

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» [رواه البخاري].

الرحمة بغير المسلمين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم»، قالوا: يا رسول الله! كلنا يرحم. قال: «ليس برحمة أحدِكم صاحبَه؛ يرحم الناس كافة» [رواه أبو يعلى]. وكان غير المسلمين يعيشون في المدينة في أمن وسلام، فقد صح أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فأتاه النبي يعوده.

الرحمة بالحيوان

إن المؤمن الحق تتجلّى من خلاله الرحمة في واقع الحياة، فيفيض بها على كل من حوله، إنسانًا كان أو حيوانًا. وفي هذا المشهد الإيماني الرقيق، يُروَى أن رجلًا قال: يا رسول الله، آخذ الشاة فأذبحها فأرحمها. قال: «والشاة فإن ترحمها يرحمك الله» [شعب الإيمان].

لا تنزع الرحمة إلا من شقي

عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [رواه أبو داود والترمذي].

وسائل تعزيز التراحم في المجتمع

  • أن يستشعر الإنسانُ آلام الآخرين.
  • المبادرة إلى قضاء حوائج الناس.
  • الالتزام بالرفق في التعامل اليومي.
  • تعويد النفس على الصدقة والبذل.
  • كفّ الأذى عن الآخرين.
  • تعزيز خُلُق العفو والتسامح.
  • صلة الأرحام والإحسان إلى الجيران.
  • رعاية الضعفاء.
  • التخلّق بآداب الإسلام في المعاملات.
  • الدعاء للناس بظهر الغيب.

موضوع الخطبة الثانية: وآتوا حقه يوم حصاده

احتفيت الشريعة الإسلامية بيوم الحصاد احتفاءً يليق بمشهدٍ تتعانق فيه الأرض مع السماء، وتتجلى فيه آثار الرحمة الإلهية في سنابلَ مائلةٍ من ثِقل العطاء. يوم الحصاد ثمرة تلاقي أسباب كثيرة، وفي هذا اليوم يتردد صدى هدي النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذا المعنى.

إن الشريعة لم ترد ليوم الحصاد أن يكون مناسبةً يختص بها صاحب الأرض وحده، بل وسّعت دائرته ليكون فرحًا مشتركًا. ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يأمر بإيتاء الحقوق في مواسم العطاء، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: ٢٤-٢٥].

تأتي البركة بالبذل

في عمق التوجيه الإلهي، إشعار بأن البركة لا تُستجلب بالتكديس، وإنما تُستدعى بالبذل. ويُجلّي هذا المعنى قول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: ٢٦١].

يوم الحصاد يوم امتحان القلوب

يتحول يوم الحصاد إلى مرآةٍ تعكس حقيقة الإنسان: أهو عبدٌ شاكر يرى في النعمة طريقًا إلى مزيد من القرب، أم أسيرُ شهوةٍ يرى فيها غايةً ينتهي عندها؟ ويُضيء هذا الميزان قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: ٥-٧].

زكاة الحصاد

اختلف العلماء في أصناف الزروع التي يخرج منها الزكاة، وقد توسع السادة الحنفية فيها، فأوجبوا الزكاة في كل ما أنبتته الأرض. والمقدار الواجب إخراجه يختلف على حسب طريقة الري: فما سقي بماء المطر ففيه العشر (10%)، وما سقي بالآلات ففيه نصف العشر (5%).