كشفت الحلقة الرابعة من سلسلة حلقات "حكاية بطل" التي نشرتها الصفحات الرسمية للمتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة العميد أركان حرب غريب عبد الحافظ، لأول مرة عن تفاصيل عملية تطهير مدرسة الزقازقة والمربع الأخضر في منطقة بئر العبد بشمال سيناء من العناصر الإرهابية. لم تكن العملية مجرد مداهمة عسكرية عابرة، بل كانت معركة تطهير واسعة داخل منطقة وصفت بأنها من أخطر مناطق الساحل، بعدما تحولت إلى بؤرة تجمع لأعداد كبيرة من العناصر التكفيرية.
المربع الأخضر: بؤرة إرهابية خطيرة
المنطقة التي أطلق عليها الإرهابيون اسم "المربع الأخضر" كانت تمتد بواجهة تقارب سبعة كيلومترات وعمق يصل إلى ثمانية كيلومترات، وتضم أربع قرى صغيرة وأربع تجمعات سكانية. بسبب طبيعة الأرض وتشابك البيوت والمزارع والطرق الفرعية، كان التحدي الأكبر أمام القوات هو حصار المنطقة بالكامل، ومنع العناصر الإرهابية من الهروب باتجاه الطريق الساحلي أو المناطق المجاورة.
عملية تمشيط دقيقة
بدأت القوات عملية تمشيط دقيقة، بيتًا بيتًا، ومزرعة مزرعة، وشبرًا شبرًا. لم يكن الهدف فقط الاشتباك مع العناصر المسلحة، بل تطهير المنطقة السكنية وتأمين الأهالي، وإنهاء الوجود الإرهابي الذي اتخذ من القرى والمزارع ساترًا للاختباء والتحرك.
خطة بديلة تقوم على عنصر المفاجأة
وقبل يوم الاستشهاد، كانت هناك خطة للتحرك باتجاه مدرسة عُرفت باسم "مدرسة الزقازقة"، بعد ورود معلومات عن تمركز عناصر إرهابية داخلها. إلا أن الشهيد البطل المقدم أحمد جمل، رئيس عمليات الكتيبة، طرح خطة بديلة تقوم على عنصر المفاجأة. وبالفعل، أعادت القوات تجهيز المداهمة، وغيرت خط السير بعيدًا عن الطرق المتوقعة، وتحركت وسط المزارع والبيوت حتى وصلت إلى محيط المدرسة.
كانت المفاجأة كاملة؛ ففوجئت العناصر التكفيرية بوجود القوات أمام المدرسة، وبدأ الاشتباك. وبفضل التخطيط المحكم والشجاعة في التنفيذ، تمكنت القوات من اقتحام المدرسة وتطهيرها من العناصر الإرهابية، في عملية أكدت قدرة القوات على المناورة داخل بيئة معقدة ومليئة بالمخاطر.
لحظة فارقة: استشهاد المقدم أحمد جمل
يوم 30 أغسطس 2020 حمل لحظة فارقة ومؤلمة. كانت الكتيبة في انتظار وصول إمداد بالسلاح والذخيرة بقيادة العقيد حسين نعمان، قائد الكتيبة. عندها طلب المقدم أحمد جمل من المجموعة التحرك لتأمين الطريق والمناطق المشرفة على خط وصول الإمداد، تحسبًا لوجود عناصر إرهابية تستهدف القوات.
تحرك المقدم أحمد جمل في مقدمة العربات، وبدأت القوات الاشتباك مع عناصر تكفيرية كانت موجودة بالفعل في المنطقة. خلال المعركة، كلف أحد الضباط بتأمين جانب المدرسة من اتجاه آخر، بينما واصل هو التقدم لمواجهة العناصر الإرهابية. اشتبك الشهيد معهم بشجاعة، وتمكن من القضاء عليهم، ثم صعد إلى تبة مشرفة لتأمين وصول الإمداد، وهناك كانت العبوة الناسفة في انتظاره.
وقع انفجار هائل، ارتفع دخانه كـ"عيش غراب" إلى السماء، ولم يرد المقدم أحمد الجمل عبر جهاز اللاسلكي بعد اتصال القوات للاطمئنان عليه. كانت اللحظة قاسية وثقيلة.
إجراءات فورية بعد الاستشهاد
على الفور، تم إبلاغ قائد الكتيبة العقيد حسين نعمان باستشهاد المقدم أحمد جمل. تواصل مركز العمليات مع القوة، ودُفعت طائرة استطلاع لكشف المنطقة. رصدت القوات عناصر إرهابية أخرى خلف التبة، كانت تتحرك باتجاه العربة التي انفجرت، في محاولة لاستغلال الحادث وتصويره أو التمثيل بجثامين الشهداء، وهي طريقة اعتادت عليها تلك العناصر بعد زرع العبوات الناسفة.
استمرار العملية رغم الفاجعة
لم تتوقف العملية رغم الفاجعة. واصلت القوات التحرك، وفحصت الموقع، واستكملت الاشتباك مع العناصر الإرهابية المتبقية، وتمكنت من القضاء على ثلاثة عناصر أخرى. بعد تأمين المنطقة، بدأت القوات إخلاء الأفراد وجثامين الشهداء والمعدات التي دمرتها العبوة الناسفة.
قائمة الشرف: تضحيات متعددة
لم يكن المقدم أحمد جمل وحده في سجل التضحية؛ فقد استشهد في العملية أيضًا الملازم أول احتياط (أو النقيب احتياط) محمد معتمد، الذي لم يكن يتبقى له سوى أقل من عشرين يومًا على انتهاء فترة تجنيده. كما استشهد النقيب البطل سعيد حمدي السعيد، الذي وصفه رفاقه بأنه "الذراع اليمنى" في المداهمات، ورجل بقلب أسد.
وامتدت قائمة الشرف لتضم أيضًا أحد أبناء سيناء المتعاونين مع القوات، فرحان، والذي كان له دور مهم في إرشاد القوات إلى طبيعة الأرض، وتعليمهم كيفية التحرك في الجبال، وقراءة تكتيكات العناصر الإرهابية، وتمييز أماكن اختبائهم وتحركاتهم داخل الظهير الصحراوي.
ملحمة مشتركة بين القوات المسلحة وأبناء سيناء
تكشف هذه العملية أن معركة تطهير شمال سيناء لم تكن جهدًا عسكريًا فقط، بل كانت ملحمة مشتركة بين القوات المسلحة وأبناء سيناء الشرفاء. دفع الجميع ثمنًا غاليًا من الدماء، من ضباط وصف وجنود ومتعاونين، حتى تعود الحياة إلى المناطق السكنية، وتتحول القرى التي حاول الإرهاب اختطافها إلى مساحات آمنة لأهلها.
ما تحقق في شمال سيناء، من أمن واستقرار وتنمية، لم يأتِ من فراغ، بل جاء بدماء الشهداء وأرواح رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه. رجال لم يحلموا بقصور ولا ثروات ولا شهرة، بل كان حلمهم أن يظل الوطن آمنًا، وأن ينام الملايين مطمئنين.



