أبو التربويين العرب.. رحلة الدكتور سعيد إسماعيل علي العلمية والإنسانية
رحلة الدكتور سعيد إسماعيل علي العلمية والإنسانية

لا أُعفي نفسي من الخطأ؛ فقد حالت بيني وبين إدراك القيمة الحقيقية لهذا العالم الجليل مسافة من الجهل والتأخر. وحين حاولت تدارك ذلك بإجراء حوار معه لتوثيق مسيرته العلمية والإنسانية، حالت ظروفه الصحية دون إتمام اللقاء، فلم أوفّق في إقناعه، وجئت متأخرًا أكثر مما ينبغي. لذا، أحاول اليوم أن أسلط الضوء على بعض ملامح هذه القامة الكبيرة، لعلّ في ذلك ما يخفف وطأة التقصير ويُنصف سيرة تستحق أن تُروى.

من هو أبو التربويين العرب؟

في سجل العطاء التربوي العربي والإسلامي، تبرز أسماء قليلة جمعت بين عمق العلم وسمو الخلق واتساع الأثر، ويأتي في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي، الذي استحق عن جدارة لقب “أبو التربويين العرب” و“شيخ التربويين الإسلاميين”؛ ليس فقط لغزارة إنتاجه العلمي، بل لما جسّده من نموذج إنساني راقٍ لمعنى الأستاذية الحقيقية.

النشأة والمسيرة الأكاديمية

وُلد في القاهرة عام 1937، وتخرج في كلية الآداب - قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1959، لتبدأ رحلة علمية جادة اتسمت بالالتزام والدأب. عمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم، ثم التحق بكلية التربية بجامعة عين شمس معيدًا عام 1962، وتدرج في مسيرته الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية عام 1979، بعد حصوله على دكتوراه الفلسفة في التربية عام 1969.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الإسهامات العلمية والمؤلفات

ترك للمكتبة العربية ما يقارب مائة مؤلف، من أبرزها كتابه “هآؤم اقرءوا كتابيه قصة حياة أستاذ جامعي”، الذي لم يكن مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة فكرية وإنسانية على رحلة علمٍ امتزجت فيها التجربة بالتأمل، والمعرفة بالقيم. كما كان أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات العربية، منها صنعاء، وأم القرى، والكويت، وعجمان، واليرموك، وشارك في مؤتمرات علمية داخل الوطن العربي وخارجه، كما لبّى دعوات أكاديمية في الولايات المتحدة وبريطانيا، حاملًا رسالة العلم العربي الإسلامي إلى آفاق أرحب.

الجوائز والتكريم

نال الراحل العديد من الجوائز المحلية والدولية، وفي مقدمتها جائزة الدولة التقديرية، تتويجًا لمسيرة امتدت لعقود من البذل والعطاء. لكن القيمة الأعمق في تجربته تتجلى في مفهوم “الأستاذية”، كما عاشه وطبّقه، وهو مفهوم يتجاوز حدود المهنة إلى رسالة إنسانية متكاملة.

مفهوم الأستاذية عند الدكتور سعيد إسماعيل

حدد تلميذه الدكتور مصطفى رجب عميد كلية التربية الأسبق أربعة أعمدة رئيسية لهذا المفهوم:

أولًا: أمانة العلم

لم يكن الأستاذ لديه مجرد ناقل معرفة، بل حامل رسالة، يورثها لتلاميذه مقرونة بالمسؤولية، ويغرس فيهم أن العلم أمانة تُمنح لمن يستحقها ويحسن حملها.

ثانيًا: أمانة الخلق

كان يرى أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق، وأن الأستاذ الحقيقي هو من يزيّن علمه بسمو السلوك ونبل المقصد، فالأستاذية عنده سلوك قبل أن تكون لقبًا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ثالثًا: الإيجابية الاجتماعية

آمن بأن العالم جزء أصيل من مجتمعه، لا ينعزل عنه، بل يتفاعل معه، يؤثر فيه ويسعى لإصلاحه. فالعلم الذي لا يخدم الناس، يفقد قيمته.

رابعًا: التواصل بين الأجيال

جعل العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه جسرًا ممتدًا، يقوم على نقل الرسالة وتطويرها، بما يضمن استمرارية الفكر وتجدد الرؤية.

هكذا كان الدكتور سعيد إسماعيل علي.. “صاحب الـ 90 ربيعًا” عالمًا ومربيًا وإنسانًا، جمع بين الفكر والخلق، وبين العلم والعمل، فصار مدرسة قائمة بذاتها، ونموذجًا يُحتذى لكل من أراد أن يفهم معنى أن تكون “أستاذًا”. إنه ليس مجرد اسم في تاريخ التربية، بل قيمة ممتدة.. ورسالة لا تزال تُلهم الأجيال.