حرب الممرات المائية الإيرانية تعيد رسم خرائط الشحن الدولي
حرب إيران المائية تعيد رسم خرائط الشحن الدولي

في اللحظة التي أعلنت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، اتجهت أنظار العالم نحو الممرات البحرية، وتحديدا مضيق هرمز وباب المندب، باعتبارها المتضرر الأول من هذه الحرب. وقد دفع ذلك الخبراء إلى التأكيد على ضرورة إعادة رسم خرائط الشحن الدولي، وأجبر شركات النقل البحري على البحث عن بدائل أكثر أمانا واستقرارا، حتى لو كانت أطول زمنا وأعلى تكلفة.

أفريقيا محور جديد لحركة الشحن

برزت القارة الأفريقية كمحور متزايد الأهمية في إعادة توجيه تدفقات البضائع بين آسيا وأوروبا. وأصبحت سلاسل الإمداد تتجه بشكل متزايد نحو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، في تحول يعكس حجم التأثيرات الجيوسياسية على التجارة العالمية. كما ظهرت موانئ إقليمية جديدة كمراكز بديلة لإعادة توزيع البضائع نحو أسواق الخليج، في ظل محدودية قدرة بعض الموانئ على استيعاب الزيادة الكبيرة في حجم الواردات، وفق تقرير نشرته وكالة "فرانس برس".

ارتفاع التكاليف وزمن الشحن

جاء ذلك على الرغم من زيادة تكاليف النقل وزمن الشحن، حيث ارتفعت مدة الرحلات بشكل ملحوظ، وتزايدت الأعباء التشغيلية على شركات الشحن نتيجة ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة عدد السفن المطلوبة للحفاظ على نفس مستويات الإمداد. فقد زادت مدة النقل البحري بين آسيا وأوروبا بمعدل أسبوعين، وارتفعت التكاليف نتيجة لزيادة استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 30% و50%، وزيادة عدد السفن بنسبة تتراوح بين 10% و20%، للحفاظ على وتيرة النقل نفسها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

واقع جديد لتجارة الحاويات الدولية

بين اعتبارات الأمن البحري والتكلفة الاقتصادية، يبدو أن النظام اللوجستي العالمي يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، قد تفرض واقعا جديدا على تجارة الحاويات الدولية خلال السنوات المقبلة، مع استمرار اعتماد البدائل الأطول مسارا والأكثر كلفة كخيار شبه دائم في ظل استمرار عدم الاستقرار في الممرات البحرية الاستراتيجية.

وتوضح وكالة "فرانس برس" في تقريرها أن إغلاق مضيق هرمز والتوترات في البحر الأحمر تدفع العالم باتجاه إعادة تشكيل طرق تجارة البضائع، مشيرة إلى أن "أفريقيا أصبحت محورا لحركة سفن الحاويات العالمية"، وفق مصادر لوجستية وبحرية.

وأجبر إغلاق مضيق هرمز خلال الشهرين الماضيين شركات الشحن على البحث عن طرق برية بديلة لنقل المواد الغذائية والسلع المصنعة بالشاحنات إلى دول الخليج الساحلية، وهي سلع لم يعد بالإمكان إيصالها إليها بحرا، بحسب التقرير.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ميناء جدة السعودي يعاني زحاما شديدا

يقول التقرير: تحول ميناء جدة السعودي على البحر الأحمر إلى مركز إقليمي جديد، حيث تصل السفن التابعة لشركات الشحن العملاقة مثل "إم إس سي" و"سي إم إيه سي جي إم" و"ميرسك" و"كوسكو" عبر قناة السويس. ثم تنقل البضائع بالشاحنات عبر طريق صحراوي لتوصيلها إلى وجهات خليجية مثل الشارقة والبحرين والكويت، التي انقطعت عنها الملاحة البحرية خلال الشهرين الماضيين، وتحديدا منذ لحظة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026.

لكن المؤسس المشارك لشركة الشحن "أوفرسي" أرتور باريلاس دو تيه يقول: ميناء جدة غير قادر على استيعاب كل هذه الكميات من الواردات، ويلوح في الأفق ازدحام شديد فيه.

وبحسب بيانات "كيبلر مارين ترافيك"، رست إحدى عشرة سفينة حاويات في جدة الأربعاء، بينما كانت تسع سفن أخرى تنتظر، بمتوسط انتظار بلغ يوما ونصف قبل تفريغ حمولتها، مقارنة بـ17 ساعة في الأسبوع السابق.

البحث عن موانئ بعيدة عن مضيق هرمز

من جهتها، أعلنت شركات الشحن أنها تستخدم موانئ صحار العماني وخورفكان والفجيرة الإماراتيين، وهي مرافق تقع خارج مضيق هرمز ومتصلة برا بمدن أخرى في الإمارات العربية المتحدة.

ويستخدم ميناء العقبة في الأردن كقاعدة لشحن البضائع إلى بغداد أو البصرة في العراق. كما يسمح ممر تركي بنقل البضائع إلى شمال العراق.

ويشير محلل سوق الحاويات في شركة "كيبلر" رونان بوديه إلى أن تغيير مسار السفن أصبح منهجيا منذ استئناف هجمات الحوثيين؛ حيث تبحر السفن حول أفريقيا، محاذية سواحلها الشرقية حتى رأس الرجاء الصالح إلى الجنوب من جنوب أفريقيا، قبل أن تتجه شمالا نحو أوروبا والبحر الأبيض المتوسط.

وبحسب بيانات منصة "بورت ووتش" التابعة لصندوق النقد الدولي، والمستندة إلى إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للسفن، تضاعفت حركة سفن الحاويات عبر رأس الرجاء الصالح بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال ثلاث سنوات.

فبين الأول من مارس و24 أبريل 2026، بلغ متوسط عدد سفن الحاويات التي تعبر رأس الرجاء الصالح يوميا 20 سفينة، مقارنة بست سفن فقط خلال الفترة نفسها من عام 2023. وفي المقابل، انخفضت حركة سفن الحاويات في البحر الأحمر انخفاضا حادا: فمن 18 عبورا يوميا عبر باب المندب بين مارس وأبريل 2023، انخفض المتوسط إلى 5 عمليات عبور فقط بعد ثلاث سنوات.

تهاوي صورة شرطي البحار

في تقرير سابق، أكدت وكالة "تسنيم" الإيرانية أن "البحار لم تعد مساحات محايدة، وأن الممرات المائية لم تعد طرقا عمياء للتجارة"، مشيرة إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسقطت ما يعرف بـ"الأمن البحري المطلق"، وأن العد التنازلي لتهاوي صورة "شرطي البحار" قد بدأ.

وبحسب الوكالة الإيرانية، فإن 18 يوما فقط من اندلاع الحرب أدت إلى انهيار حركة المرور البحرية في مضيق هرمز بنسبة 97%، وحصار نحو 20 مليون برميل نفط يوميا (قرابة 20% من نفط العالم) داخل الخليج؛ وخروج 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية من السوق العالمي بعد توقف الصادرات القطرية، وتضاعف تكاليف الشحن أربع مرات، وقفز أقساط التأمين من 0.25% إلى 3% من قيمة السفينة.

الاقتصاد العالمي رهينة المضائق

على الرغم من أن إيران لا تطل على مضيق باب المندب، والذي تطل عليه اليمن وجيبوتي والصومال، إلا أن طهران تمتلك نفوذا استراتيجيا كبيرا في المنطقة عبر دعمها لجماعة الحوثي في اليمن، مما يمكنها من التأثير على الملاحة الدولية في هذا الممر الحيوي، وهو ما يعتبر امتدادا لسيطرتها على مضيق هرمز، حتى أن بعض المحللين يصفونها بـ"مضيق هرمز الثاني".

وبحسب وكالة "تاس"، فإن التحويل القسري نحو رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 12 إلى 20 يوما في زمن عمليات الشحن والنقل، ما أدى إلى ارتفاع في التكلفة تتراوح ما بين 40% إلى 60%. فيما تقدر تقارير آسيوية خسائر الصادرات بعشرات المليارات، مشددة على أن "الاقتصاد العالمي لم يعد رهينة البنوك، بل رهينة المضائق، في ظل استعانة البحرية الإيرانية بالمسيرات والصواريخ الدقيقة، والألغام البحرية".