في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.
بداية القصة: الأمير العالم الذي بنى قصرًا على النيل
في عام 1466م (871 هجرية)، وعلى ضفاف نيل جزيرة الروضة بمنطقة منيل الروضة بالقاهرة، بنى الأمير المملوكي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن بدر الدين العيني قصرًا فخمًا لا يُضاهى. وقد حمل الاسم "العيني" نسبة إلى مدينة عينتاب (غازي عينتاب حاليًا في تركيا) التي كان جده القاضي والمؤرخ الكبير بدر الدين محمود بن أحمد العيني (1361-1451م) من أهلها، وهو صاحب موسوعة "عقد الجمان" التاريخية العظيمة.
كان أحمد بن العيني رجلًا نافذًا في عصره، تولى منصب أمير الحج، وحظي بمكانة مرموقة عند السلطان الظاهر خشقدم الذي منحه عام 869 هجرية رتبة إمرة المائة والتقدمة الألف، أعلى رتبة عسكرية للمماليك، وعيّنه مسؤولًا عن إسطبلات السلطان. وقد وُصف بأنه كان "صاحب الحل والعقد في الديار المصرية"، ثريًا يمتلك مئات المماليك، وفي الوقت نفسه كان عالمًا في الطبيعيات والكيمياء والصيدلة، محبوبًا من الناس مقربًا من السلاطين والأمراء، حتى إن المصادر التاريخية وثقت له سيرتين ذاتيتين نظرًا لسعة نفوذه.
وصف القصر
كان القصر بناءً مربع الشكل يتكون من طابقين فوق الطابق الأرضي. يضم صفين من الغرف يفصل بينها دهاليز على طول امتدادها، وكل جناح ينقسم إلى أربع غرف لمماليك ابن العيني، وكل غرفة تحتوي على خمسين سريرًا. أما الطابق الأرضي فكان مغاور معقودة (طرقات متداخلة) تصلح مستودعات ومخازن. وفي وسط البنيان كان هناك صحن فسيح جدًا مغروس بالأشجار.
أما الجناح القبلي فكان يضم أربع بنايات كبيرة مفصولة: الأولى للمعامل الكيميائية وغرف الطبيعة والتاريخ الطبيعي، الثانية لمحلات النوم وغرف الطعام، الثالثة للصيدلية العمومية، والرابعة للمطابخ والحمامات والمغاسل. وكان القصر جزءًا من متنزهات عظيمة تشمل البساتين والقبتين (قبتان لجاني بك) بمساحة 150 فدانًا، كانت مفتوحة للسلاطين والولاة والأمراء والناس جميعًا.
في عام 1467م، أقام ابن العيني احتفالًا ضخمًا بإتمام البناء، وحضره السلطان خشقدم وأعيان الدولة.
تحولات القصر عبر العصور
لم يدم الأمر طويلًا. بعد وفاة أحمد بن العيني عام 1503م (909 هجرية) في المدينة المنورة، صادر السلطان قايتباي القصر وتحول إلى ملكية الدولة، ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة التحولات العجيبة.
في أواخر عهد السلطان خشقدم أصبح القصر مقرًا للحكم، وعندما جاء السلطان العثماني سليم الأول بعد احتلاله مصر عام 1517م، استضافه القصر. كما كان مقرًا لحكم المملوك إبراهيم بك في تلك الفترة الانتقالية، وفي الوقت نفسه ظل منتزهًا عامًا يفتح أبوابه للناس.
دخل القصر في فترة قاسية حيث تحول إلى سجن حربي في عهد المماليك، ثم إلى مكان للحبس الجبري (يقيم فيه من يغضب عليه من الأمراء والولاة). وفي الوقت نفسه كان يُستخدم أحيانًا كقصر للضيافة لاستقبال الوفود، وعندما كان يعزل أمراء المماليك الوالي العثماني، كان القصر يتحول إلى مجلس للوالي نفسه.
ربما كان أغرب تحولات القصر: تحول إلى تكية البكتاشية، أكبر وأهم تكية بكتاشية في مصر. أسسها السلطان الناصر فرج بن برقوق أصلًا عام 806 هجرية (1404م)، ثم استقر بها الدراويش البكتاشيون في قصر العيني لاحقًا. كانت التكية كبيرة جدًا وميدانها للذكر واسع، تتسع لألف رجل في مجلس الذكر والوِرد. وقد جاء إليها السلطان سليم الأول بنفسه. استمرت التكية حتى عهد الخديوي إسماعيل، ثم انتقل الدراويش إلى كهف السودان في جبل المقطم (المعروف الآن بتكية المغاوري). واستمر وجود الطريقة البكتاشية في مصر حتى عام 1242 هجرية (1826م) حين أمر السلطان العثماني محمود الثاني بإلغاء الإنكشارية والطريقة البكتاشية معًا.
جاء الفرنسيون فحوّل نابليون بونابرت القصر إلى مستشفى عسكري محصن للجنود والضباط الفرنسيين. أُقيمت فيه حفلات استقبال رسمية، أشهرها حفل استقبال الجنرال كليبر للطبقة الأرستقراطية المصرية في سبتمبر 1799. وبُني جسر يربط القصر بجزيرة الروضة وجسر آخر يربط الروضة بالجيزة. وفي حدائق القصر دُفن الجنرال كليبر بعد اغتياله عام 1800م، قبل أن يُنقل جثمانه مع الجيش الفرنسي عند الجلاء.
بأمر من محمد علي باشا، تحول القصر إلى مدرسة حربية عام 1825م، استعدادًا لتحويله لاحقًا إلى مؤسسة طبية.
نقل القصر إلى صحراء المماليك
في عام 1835-1837م، صُدر القرار بهدم القصر القديم لبناء المدرسة الطبية، وقد خلّد الأديب خيري شلبي في "بطن البقرة" لحظات الهدم وحزن الأهالي على القصر الذي ألفوه، وفي هذه الأثناء، ظهر الشيخ الصوفي المغربي "علي الوقاد"، الذي كان ثريًا بمهنته في تشكيل الخيزران ويمتلك أرضًا بصحراء المماليك. استغل الوقاد خطة المهندسين التي اعتمدت على "النشر والترقيم" (بأسلوب يشبه ما حدث لاحقًا في معبد أبو سمبل)، فدخل في مزايدة حكومية واشترى أنقاض القصر. نقل الوقاد القطع المرقّمة عبر "عربات الكارو" إلى أرضه، حيث أعاد المهندسون هيكلة القصر وبناءه بشكله المعهود، ليبقى القصر الأصلي قائمًا في صحراء المماليك، بينما يُبنى الجديد مكانه على النيل.
مستشفى قصر العيني الحديث
افتتحت مستشفى قصر العيني أبوابها للجمهور عام 1837م تحت إشراف "كلوت بك". وبعد عام افتتحت المدرسة، وكانت "مدرسة الولادة" أول الأقسام برئاسة "مسز لويلون" (الحائزة على المركز الأول في مسابقة جامعة باريس). خرّجت المدرسة 800 طبيب في أول عشر سنوات، وفي عام 1908م ضُمت لجامعة القاهرة.
في عام 1984م وُقع عقد إنشاء مستشفى جديد مع تحالف فرنسي، وهُدم المبنى القديم عام 1990م. وفي 8 أبريل 1996م افتتح المستشفى "الفرنساوي" الجديد بحضور الرئيس مبارك والرئيس الفرنسي جاك شيراك، ليستمر حتى اليوم كمستشفى قصر العيني التعليمي.
القصر الأصلي المملوكي لم يبقَ منه شيء اليوم في موقعه الأصلي، هُدم بالكامل مرتين: عام 1837م لبناء مدرسة الطب، وعام 1990م لبناء المستشفى الفرنساوي، ما نراه اليوم هو مبنى حديث يحمل الاسم التاريخي فقط. ولم يبقَ من عظمة القصر الأصلي إلا وصفه في المصادر التاريخية، وصورتان لجامع وقبر ابن العيني، وسطر عن دفن الجنرال كليبر في حديقته، وتلك الحكاية المدهشة عن "الوقاد" الذي نقل جدران القصر القديم إلى صحراء المماليك.
قصة قصر عاش 560 عامًا، تحول 11 مرة، من قصر أمير إلى تكية صوفية إلى سجن إلى مستشفى عسكري إلى مدرسة طبية، ليظل اسمه حيًا في ذاكرة القاهرة.



