حصار المحكمة الدستورية العليا قبل 30 يونيو.. يوم توقفت أعلى هيئة قضائية
حصار المحكمة الدستورية العليا قبل 30 يونيو

مع اقتراب الذكرى السنوية لثورة 30 يونيو، يبقى حصار المحكمة الدستورية العليا شاهدًا على مرحلة فارقة من تاريخ الدولة المصرية، حين تعرضت إحدى أهم مؤسساتها الدستورية لمحاولة ترهيب غير مسبوقة، في مشهد اعتبره كثيرون جرس إنذار مبكرًا كشف طبيعة الصراع بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع جماعة الإخوان الإرهابية، ومهَّد الطريق لحالة الغضب الشعبي التي انفجرت لاحقًا في 30 يونيو 2013، مطالبة بإنهاء حكم الإخوان واستعادة مؤسسات الدولة.

أعلى محكمة في البلاد تحولت إلى هدف مباشر لضغوط الجماعة وأنصارها

فلم يكن حصار المحكمة الدستورية العليا في ديسمبر 2012 مجرد احتجاج سياسي عابر أو تظاهرة أمام مؤسسة رسمية، بل مثَّل واحدة من أخطر الوقائع التي شهدتها الدولة المصرية خلال فترة حكم جماعة الإخوان، بعدما تحولت أعلى محكمة في البلاد إلى هدف مباشر لضغوط الجماعة وأنصارها، في محاولة تعد اعتداءً صارخًا على استقلال القضاء وهيبة الدولة وسيادة القانون. ففي لحظة كانت مصر تعيش فيها حالة من الانقسام السياسي الحاد، فرضت عناصر محسوبة على جماعة الإخوان حصارًا على مقر المحكمة الدستورية العليا، ومنعت القضاة من الوصول إلى مقر عملهم، الأمر الذي أدى إلى تعطيل انعقاد جلسات المحكمة المكلفة بالفصل في دعاوى مصيرية تتعلق بشرعية الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ومجلس الشورى، لتتوقف لأول مرة أعلى جهة قضائية دستورية في البلاد عن أداء دورها تحت وطأة الحصار والتهديد.

وجاءت الواقعة في سياق تصاعد الصدام بين الجماعة ومؤسسات الدولة الوطنية، بعدما سعت الإخوان إلى إحكام قبضتها على مفاصل السلطة، مستندة إلى الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، والذي منح المعزول محمد مرسي سلطات استثنائية واسعة، وأثار موجة غضب سياسية وشعبية غير مسبوقة، باعتباره محاولة لتحصين القرارات الرئاسية من الرقابة القضائية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

خطاب تحريضي «إخواني» ضد القضاة ومؤسسات العدالة

ولم يتوقف الأمر عند حدود الحصار، بل سبقه وتلاه خطاب تحريضي ضد القضاة ومؤسسات العدالة، وحملات تشكيك ممنهجة في الأحكام القضائية، ومحاولات مستمرة للنيل من استقلال السلطة القضائية، في إطار سعي الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة بما يتوافق مع مشروعها السياسي. وفي هذا السياق، أكد الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية ومحافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق، أن حصار المحكمة الدستورية العليا كان أحد أخطر المؤشرات على طبيعة النهج الذي اتبعته جماعة الإخوان في إدارة الدولة، موضحًا أن الجماعة لم تنظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها مؤسسات مستقلة تحكمها قواعد دستورية وقانونية، وإنما تعاملت معها بمنطق السيطرة والهيمنة السياسية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وقال فرحات في تصريح لـ«الوطن»، إن منع قضاة المحكمة الدستورية العليا من ممارسة عملهم شكل سابقة خطيرة في التاريخ السياسي المصري، وكشف حجم الضغوط التي مورست على السلطة القضائية خلال تلك المرحلة، مضيفًا أن الواقعة مثلت اعتداءً مباشرًا على مبدأ الفصل بين السلطات، وأثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية. وأضاف أن الجماعة ارتكبت خطأً استراتيجيًا عندما دخلت في صدام متزامن مع قطاعات واسعة من المجتمع المصري ومؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء والإعلام والقوى المدنية، مؤكدًا أن حصار المحكمة الدستورية كان من بين الأحداث التي ساهمت في تعميق حالة الرفض الشعبي لحكم الإخوان، بعدما ترسخ لدى قطاعات كبيرة من المصريين شعور بأن الدولة تتعرض لمحاولة اختطاف ممنهجة لصالح تنظيم سياسي يسعى إلى احتكار السلطة.

وأشار فرحات إلى أن هذه الممارسات كشفت مبكرًا حجم التناقض بين شعارات الديمقراطية التي رفعتها الجماعة وبين ممارساتها على الأرض، والتي اتسمت بالإقصاء ورفض الرقابة المؤسسية والسعي إلى تحييد الجهات القادرة على مراجعة قرارات السلطة التنفيذية.