نحو لحظة عربية فاصلة (3): من الوكالة اللفظية إلى الوظيفية وتحليل قيود الفعل الإقليمي
نحو لحظة عربية فاصلة (3): من الوكالة اللفظية إلى الوظيفية

يأتي هذا الجزء الثالث استكمالاً منهجياً للمسار الذي بدأه الجزآن الأول والثاني. فقد تناول الجزء الأول التحولات الدولية الكبرى وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية من الخارج، بينما ركز الجزء الثاني على منطق الاستنزاف وآليات إعادة إنتاج الهشاشة داخل النظام الإقليمي نفسه، مما يجعل الفوضى أقرب إلى نمط إدارة ممتد لا حالة طارئة.

وانطلاقاً من ذلك، ينتقل هذا الجزء إلى مستوى تحليلي ثالث يقوم على اختبار الفجوة بين الإدراك السياسي وحدود الفعل الممكن، وهو ما يبرر استخدام مفهوم الوكالة الوظيفية مقابل الوكالة اللفظية، أي الانتقال من مستوى الخطاب والتصور إلى مستوى القدرة المقيدة داخل شروط بنيوية صارمة.

وفي هذا السياق، لا يهدف هذا الجزء إلى تقديم نموذج مكتمل أو استنتاجات نهائية، بقدر ما يسعى إلى تفكيك شروط الإمكان وحدود الحركة، بما يسمح بقراءة أكثر انفتاحاً لطبيعة الوكالة السياسية داخل سياق إقليمي لا يزال في حالة إعادة تشكل مستمرة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ومن هذا المنطلق، لا تبدو حدود الفعل الإقليمي ناتجة عن عامل منفصل، بقدر ما تتشكل عبر تداخل مستويات متعددة تشمل بنية التنسيق السياسي، وحدود الردع العسكري، وصلابة البنية الاقتصادية، وتشابك الفواعل غير الدولتية، إضافة إلى طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى.

ولتفكيك هذا التعقيد بصورة منهجية، يمكن قراءة الفعل الإقليمي عبر مجموعة من المقومات التي تمثل في مجموعها طبقات متراكبة لحدود الإمكان السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أي مستوى عن الآخر، إذ تتداخل هذه الطبقات في تشكيل بنية الفعل الإقليمي واستمرار منطق الاستنزاف الممتد.

1. حدود التنسيق الاستراتيجي: الثقة كقيد بنيوي قابل للتبدل

يبدو أن الافتراض القائل بإمكانية بناء تنسيق عربي واسع النطاق يصطدم بعامل أعمق من مجرد ضعف التنظيم المؤسسي. فالثقة السياسية بين الدول لا تعمل كمتغير إداري يمكن تحسينه تدريجياً، بل كبنية تاريخية تشكلت عبر تراكمات طويلة من التجربة السياسية وتباين إدراك التهديدات. ولأن هذه البنية لا تتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها البيئة الإقليمية، فإن أنماط التنسيق الناتجة عنها تميل بدورها إلى التقطع وعدم الاستقرار. لذلك، لا يظهر التنسيق العربي بوصفه مساراً خطياً نحو التكامل، بل كسلسلة من الدوائر المتفاوتة في عمقها واستمراريتها، والتي تتحرك غالباً تحت ضغط الأزمات أكثر من تحركها وفق رؤية استراتيجية مستقرة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وتبرز داخل هذا المسار عدة قيود مترابطة، من بينها: تباين تعريف التهديدات الإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بالدور الإيراني وأدواته غير المباشرة، ومحدودية الانتقال من مجالات التعاون الاقتصادي إلى مستويات التنسيق الأمني، وصعوبة تحويل الاستجابات المرتبطة بالأزمات إلى أطر دائمة مستقرة. وفي ضوء هذه القيود، قد يبدو أن أكثر أشكال التنسيق قابلية للتحقق يتمثل في تقاطعات ثنائية أو متغيرة الهندسة، تتشكل في بعض الملفات بين مصر وعمقها الخليجي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تشكل بنية تحالفية مستقرة أو موحدة. هذا النمط لا ينتج مؤسسة دائمة بقدر ما يتيح مساحات تنسيق ظرفية تُفعّل عند الحاجة وتخفت عند تراجع الضغوط، وهو ما يجعل بنيته مرنة بقدر ما يجعلها غير مكتملة. وإذا كانت إشكالية التنسيق تشكل البنية الأولى للقيود، فإن مستوى الردع يعكس ترجمتها العملياتية في المجال العسكري.

2. قيود الردع البحري الجوي: فجوة القدرات وتعدد مستويات المخاطر

تواجه فكرة بناء ردع بحري جوي مشترك مجموعة من القيود التي لا ترتبط بالإرادة السياسية وحدها، بل بالبنية العملياتية نفسها، وهو ما يجعل أي تصور للتكامل الكامل سابقاً لظروفه الفعلية. أولى هذه القيود تتعلق بفجوة القدرات، إذ لا تزال القدرات البحرية والجوية العربية أقرب إلى تشكيلات وطنية منفصلة منها إلى منظومة عملياتية متكاملة. ويرتبط ذلك باختلاف العقائد العسكرية، وضعف التكامل اللوجستي، وغياب بنية قيادة مشتركة ذات طابع مستمر.

لكن هذه الفجوة لا تعمل بمعزل عن بيئة التصعيد، إذ إن الممرات البحرية الحساسة، خصوصاً في البحر الأحمر وخليج عدن، تقع ضمن فضاء إقليمي شديد التداخل، مما يجعل أي توسع منسق في الوجود العسكري عرضة لتفسيرات متباينة لدى أطراف أخرى. ومن شأن ذلك أن يرفع احتمالات الاحتكاك غير المباشر، ويدفع هذه الممرات إلى الدخول في توازنات أكثر هشاشة وتعقيداً. ويزداد هذا التعقيد مع غياب طبقات مساندة ضرورية لأي ردع مستدام، مثل: البنية الاستخباراتية الميدانية المدمجة، والقدرات السيبرانية الدفاعية والهجومية، والوعي الفضائي المستمر لمجال العمليات، ويؤدي غياب هذا المستوى من التكامل إلى الحد من استمرارية أي ردع بحري محتمل، بحيث يبقى أقرب إلى قدرة ظرفية قابلة للتجميع عند الحاجة، أكثر من كونه منظومة مستقرة طويلة المدى. ومن هنا، يمكن فهم هذا المسار كإمكانية لردع مركب يتشكل ويتراجع بحسب طبيعة الأزمة وسياقها، لا كمنظومة مكتملة وثابتة.

ومع انتقال التحليل من المجال العملياتي إلى المجال البنيوي، تظهر محددات الاقتصاد الاستراتيجي، بما في ذلك مفهوم الأمن الاقتصادي والاقتصاد السيادي، بوصفه إطاراً موازياً لا منفصلاً عن القيود السابقة.

3. قيود الاقتصاد الاستراتيجي: صلابة البنية القائمة وحدود إعادة التشكيل

يفترض كثير من التصورات أن البنية الاقتصادية الإقليمية قابلة لإعادة التصميم بصورة واسعة، غير أن المعطيات تشير إلى أن الاقتصاد الاستراتيجي في المنطقة محكوم ببنى مادية قائمة ذات كثافة عالية، أبرزها قناة السويس، وخط نقل النفط بين الخليج والبحر المتوسط، إضافة إلى مسارات الطاقة البحرية المستقرة تاريخياً. ومع تراكم الاعتماد الدولي على هذه البنى عبر عقود، اكتسبت وظيفة تتجاوز بعدها الجغرافي المباشر، لتصبح جزءاً من آليات الاستقرار النسبي في النظام الاقتصادي العالمي. ولهذا فهي لا تعمل فقط كممرات نقل، بل كنقاط ارتكاز يصعب تجاوزها أو إعادة استبدالها بسرعة.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة ما يسمى بالأمن الاقتصادي أو الاقتصاد السيادي بوصفه محاولة لإدارة التعرض للصدمات الخارجية، عبر تنويع الشراكات الاقتصادية، وبناء احتياطيات استراتيجية، وإعادة توزيع مراكز الاعتماد بدل محاولة كسرها أو إعادة تشكيلها بصورة جذرية. وبذلك، لا يظهر الاقتصاد الاستراتيجي كمساحة لإعادة البناء الكامل، بقدر ما يبدو مجالاً لإدارة بنية قائمة لا تسمح بإعادة التشكيل السريع أو الجذري في المدى المنظور. غير أن هذه البنية لا يمكن فهمها دون إدراج الفاعلين غير الدولتيين، الذين أعادوا خلال المرحلة الأخيرة تشكيل الإقليم عبر ربط الجبهات لا فصلها.

4. قيود التعامل مع القوى غير الدولتية: من تعدد الفاعلين إلى إدارة الساحات المترابطة

شهدت المرحلة الأخيرة، خصوصاً بعد حرب غزة والتصعيد في لبنان والاشتباك مع الحوثيين، تحولاً جوهرياً في طبيعة الفاعل غير الدولتي. فلم تعد هذه القوى كيانات محلية مستقلة، بل أصبحت عناصر ضمن شبكة صراع إقليمية مترابطة، حيث تتداخل جبهات غزة ولبنان واليمن ضمن دينامية واحدة من التأثير المتبادل. هذا الترابط لم يعد يسمح بإدارة كل ساحة على حدة، بل فرض على الدول المعنية الانتقال من منطق احتواء ملف منفصل إلى منطق إدارة متعددة الساحات، حيث تصبح أي مواجهة أو احتواء في ساحة ما ذات انعكاسات مباشرة على الساحات الأخرى.

ويقصد بالقوى غير الدولتية هنا الفاعلون المنظمون خارج إطار الدولة أو على هامشه، ممن يمتلكون قدرة تأثير مستقلة عبر القوة المسلحة أو شبكات التمويل أو التحكم في مسارات الإمداد، بما يشمل حزب الله، والحوثيين، والفصائل المسلحة في غزة، وبقايا تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى شبكات تهريب عابرة للحدود. ويجعل هذا التشابك التعامل معها أقرب إلى إدارة منظومة مترابطة من الأزمات، لا إلى معالجة ملفات منفصلة، خصوصاً مع ارتباط هذه الفواعل بتوازنات إقليمية ودولية أوسع. وفي المستوى الأعلى من التحليل، تعود البنية الإقليمية لتتقاطع مع توازنات القوى الكبرى التي لا تعمل كإطار خارجي فقط، بل كعامل يعيد توزيع هوامش الحركة ذاتها.

5. قيود التوازن مع الفاعلين الكبار: إدارة الاعتماد في ظل التنافس الدولي

تظل العلاقات مع القوى الكبرى محكومة ببنية اختلال في توزيع القوة، لكن هذه البنية لا تعمل بشكل ثابت، بل تتأثر مباشرة بطبيعة التنافس الدولي. فالتنافس الأميركي الصيني لا يقتصر على المجال العالمي، بل ينعكس إقليمياً عبر إعادة توزيع فرص الشراكة والضغط. فبينما تحاول الولايات المتحدة تثبيت هندسة أمنية قائمة على الاستقرار والتحالفات التقليدية، تعمل الصين على توسيع نفوذ اقتصادي ولوجستي يمنح الدول الإقليمية هوامش مناورة إضافية، دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى استقلال استراتيجي كامل. هذا التداخل يخلق مساحة مزدوجة: فهو من جهة يفتح هامشاً محدوداً للوكالة العربية عبر تنويع الشراكات، لكنه من جهة أخرى يفرض قيوداً إضافية نتيجة تشابك المصالح الكبرى في الجغرافيا نفسها. أما العلاقات مع تركيا وإسرائيل وإيران فتظل محكومة بمنطق توازنات وظيفية متغيرة، حيث يتداخل التعاون مع التنافس ضمن مستويات غير مستقرة، مما يعزز طبيعة الإدارة أكثر من الحسم.

الخلاصة: وكالة وظيفية داخل نظام قيد التشكل

في ضوء التحليل السابق وامتداده مع الجزأين الأول والثاني، يتضح أن الفعل العربي الممكن لا يتخذ شكل قدرة تأسيسية على إعادة تشكيل النظام الإقليمي، ولا يتحول إلى مشروع متكامل، بل يظهر كوكالة وظيفية محدودة، تتحرك داخل هوامش ضيقة تتغير بحسب السياق الإقليمي والدولي. غير أن هذا النمط من الوكالة، رغم واقعيته، يظل محكوماً بمخاطر بنيوية، أبرزها أن يتحول إلى إدارة ضمن توازنات الآخرين بدل التأثير فيها، أو أن يعيد إنتاج الهشاشة في مستويات أقل حدة دون تجاوزها فعلياً. وفي المقابل، يظل هذا النمط هو المجال الوحيد الممكن حالياً لإدارة نقاط الاختناق الاستراتيجية، والتخفيف من حدة الصدمات، وتحسين شروط التفاعل داخل نظام إقليمي لا يزال في حالة تشكل مستمر.

يتبع الجزء الرابع: عقيدة الأمن القومي العربي: من الدفاع المتفرق إلى إمكان الردع الجماعي المنتج.