هل ينهار محور المقاومة الإيراني بعد الحرب على طهران؟
هل ينهار محور المقاومة الإيراني بعد الحرب؟

وجهت الحرب ضد إيران ضربة تعد الأقسى منذ عقود لما تسميه طهران "محور المقاومة"، وهو شبكة فضفاضة من الجهات الحكومية وغير الحكومية تمتد عبر لبنان والعراق واليمن وغزة وغيرها. وأثارت الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة، وتدهور هياكل القيادة والسيطرة، والخسائر التي تكبدها شركاء رئيسيون مثل حزب الله على يد إسرائيل، سؤالا محوريا لدى صناع القرار والمحللين هو: هل يمثل ذلك بداية نهاية الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية القائمة على الوكلاء، أم أنه مجرد مرحلة جديدة في تطورها؟

تحليل من "ذا ناشيونال إنترست"

سؤال حاول أستاذ العلاقات الدولية بكلية جيمس ماديسون التابعة لجامعة ولاية ميشيجان الأمريكية محمد أيوب الإجابة عليه في مقال نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية، مؤكدا أن محور المقاومة الإيراني "تعرض لضعف هيكلي، لكنه لم يهزم نهائيا". يقول أيوب: ستعتمد قدرة محور المقاومة الإيراني على التعافي على مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها مرونة التنظيمات المكونة له، وقدرة إيران على إعادة بناء شبكات القيادة والإمداد، والتغيرات السياسية في لبنان والعراق واليمن والأراضي الفلسطينية.

ويضيف: منذ نشأته، صمم "محور المقاومة" ليكون شبكة مرنة وليس تحالفا رسميا، ويستند إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يربط بين حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس في غزة بدرجات متفاوتة، ضمن ما تعتبره طهران منظومة دفاع متقدمة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

محور قائم على فكرة الصمود

تأسس محور المقاومة الإيراني على فكرة الصمود. وبما أنه ليس تحالفا عسكريا مركزيا، فإنه قادر على امتصاص الصدمات بشكل غير متساو؛ فخسائر أحد أطرافه لا تعني بالضرورة انهيار الأطراف الأخرى، بحسب المقال. يقول أيوب: لا تزال هذه المعادلة قائمة حتى بعد حرب عام 2026. فعلى الرغم من تعرض إيران نفسها لاستهداف مباشر وغير مسبوق، فإن شركاءها الإقليميين ما زالوا يحتفظون بدرجات متفاوتة من الاستقلالية والشرعية المحلية والقدرة العملياتية.

حزب الله.. الجوهرة الأهم في الشبكة الإيرانية

يعد حزب الله أكثر أطراف المحور قدرة وارتباطا بإيران. وقد اعتبر طويلا "الجوهرة الثمينة" في شبكة الوكلاء الإيرانية. ومنذ عام 2023 تكبد الحزب خسائر كبيرة شملت استهداف قياداته وخسارة أراض وتزايد الانتقادات الداخلية في لبنان. لكن الدمار الذي لحق بجنوب لبنان ذي الأغلبية الشيعية، وعجز الدولة اللبنانية عن حماية سيادتها، ساهما في إعادة تعزيز مكانة الحزب لدى قطاعات من السكان المتضررين الذين يرونه الجهة الوحيدة القادرة على توفير حد أدنى من الأمن والإغاثة، وفق أيوب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ويتابع: كما احتفظ الحزب بقدرته على إعادة التسلح ومواصلة العمليات رغم الضربات الإسرائيلية المستمرة. ويؤكد رفضه نزع سلاحه حقيقة أساسية مفادها أن البقاء التنظيمي لا يتطلب بالضرورة التفوق العسكري الكامل. ومع ذلك، يبدو أن مساره المستقبلي يتجه نحو الانكفاء الاستراتيجي أكثر من التوسع. فمن المرجح أن يستعيد بعض قدراته العسكرية، لكنه سيركز على ضمان بقائه داخل لبنان بدلا من توسيع نفوذه الإقليمي، بحسب الكاتب.

حماس.. شريك مختلف داخل المحور

يقول أيوب: تشغل حماس موقعا مميزا داخل محور المقاومة. فعلى عكس حزب الله، هي حركة إسلامية سنية تستند إلى أولويات مرتبطة بالقومية الفلسطينية، ما جعل علاقتها بإيران علاقة براغماتية أكثر منها عقائدية. ويضيف أستاذ العلاقات الدولية: أدى الغزو الإسرائيلي لغزة وما رافقه من دمار واسع منذ عام 2023 إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبنية العسكرية للحركة وقيادتها وقدرتها على الحكم. ومع ذلك، أثبتت حماس، مثل كثير من الفاعلين غير الحكوميين العاملين في البيئات الحضرية الكثيفة، قدرة على إعادة بناء قياداتها وتكييف تكتيكاتها والحفاظ على قدر من الاستمرارية العملياتية.

وفي سياق حرب 2026، لا يتمثل دور حماس في خوض حرب إقليمية منسقة بقدر ما يتمثل في الحفاظ على البعد الرمزي والاستراتيجي للقضية الفلسطينية، التي تظل حجر الأساس في الخطاب الأيديولوجي للمحور. ورغم استمرارها في الاستفادة من الدعم الإيراني، فمن غير المرجح أن تخضع قراراتها بشكل كامل لطهران، إذ ستظل أولوياتها المحلية في غزة هي العامل الحاسم في توجهاتها المستقبلية، وفق المقال.

الميليشيات العراقية.. استقلالية متزايدة وتماسك أقل

وعلى الصعيد العراقي، يرى الكاتب أن "الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، خصوصا تلك المرتبطة بالحشد الشعبي، أظهرت قدرة على تنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ خلال الحرب. لكن تماسكها الداخلي بدأ يتآكل. يقول أيوب: يبدو أن إيران تمنح قادة الميدان العراقيين هامشا أكبر من الاستقلالية، ما يعزز المرونة العملياتية على المدى القصير، لكنه يضعف قدرة طهران على التنسيق الاستراتيجي ويزيد احتمالات الانقسامات الداخلية. كما أن البيئة السياسية العراقية المضطربة، والانقسامات الداخلية، والرفض الشعبي لبعض أنشطة الميليشيات، كلها عوامل تحد من قدرتها على الحركة.

وبحسب المقال، فإن "هذه الجماعات قد تظل نشطة، بل وقد تصعد عملياتها، لكنها تتجه تدريجيا نحو العمل كقوى شبه مستقلة تسعى لتحقيق أجندات محلية أكثر من كونها أدوات منضبطة للسياسة الإيرانية."

الحوثيون.. أولويات محلية قبل الحسابات الإقليمية

وبالنسبة لليمن، يشير الكاتب إلى أن الحوثيين في اليمن يشغلون موقعا مختلفا داخل المحور؛ حيث إن علاقتهم بإيران مهمة لكنها أقل مؤسسية من علاقة حزب الله أو حتى حماس بطهران. يقول أيوب: خلال حرب 2026، اتسم موقف الحوثيين بالحذر الملحوظ. فعلى الرغم من امتلاكهم القدرة على تعطيل الملاحة الإقليمية وتنفيذ ضربات بعيدة المدى، فإنهم تجنبوا الانخراط الكامل في الحرب بسبب اعتبارات داخلية ومخاوف من ردود الفعل العسكرية. ويختلف هذا الموقف بوضوح عن دورهم خلال عامي 2023 و2024 عندما عطلوا حركة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر دعما لغزة.

ويضيف: يعكس هذا السلوك أن حسابات الحوثيين الاستراتيجية ترتبط بدرجة أكبر بقضايا السيطرة المحلية والحكم والبقاء الاقتصادي والشرعية الداخلية، أكثر من ارتباطها بالالتزام الأيديولوجي بإيران.

مستقبل المحور.. تحول لا انهيار

ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل محور المقاومة يعتمد على قدرة إيران نفسها على التعافي من آثار الحرب. فإذا فشلت طهران في إعادة بناء هياكل القيادة وسلاسل الإمداد، فإن الشبكة بأكملها ستتضرر، مضيفا: ومع ذلك، فإن الالتزام الأيديولوجي المشترك بين أطراف المحور لا يزال قائما. فخطاب "مقاومة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية" ما زال يمثل الرابط الأساسي بينها.

ويختتم أيوب مقاله قائلا: النتيجة الأكثر احتمالا هي تحول محور المقاومة إلى شبكة أكثر مرونة وأقل مركزية؛ إذ سيظل المحور قائما، لكن في صورة تجمع فضفاض من الفاعلين المرتبطين بأيديولوجية مشتركة، مع تزايد تأثير الاعتبارات المحلية على حساب التنسيق الإقليمي؛ وبعبارة أخرى، من المرجح أن يتكيف محور المقاومة مع الضغوط ويتغير شكله، لكنه لن يختفي بالكامل. وقد يتراجع تأثيره في سياسات الشرق الأوسط، إلا أنه لن يتلاشى بصورة كاملة.