يسرا زهران: كيف تستعد الصين لقيادة النظام العالمي الجديد؟
كيف تستعد الصين لقيادة النظام العالمي الجديد؟

يكتب الكاتب يسرا زهران تحليلاً حول استعداد الصين لقيادة النظام العالمي الجديد، في ظل التحركات الدبلوماسية الأخيرة والزيارات المتبادلة بين قادة العالم. لا يعرف أحد حتى الآن التداعيات بعيدة المدى لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى الصين، حيث ما زالت الصورة في طور التكوين والأوراق تُطرح لإعادة الترتيب.

زيارات القادة ومثلث القوى

تزداد الصورة تشابكاً مع الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين، لبحث قضايا مع الشريك الآسيوي القوي الذي يبدو وكأنه يملك كل الخيوط في يده. حتى وقت قريب، كان من الصعب تصور توجه ترامب إلى الصين التي أعلن ضدها حروباً تجارية، وما زالت القيود على صادرات التكنولوجيا قائمة. في الوقت نفسه، أثارت زيارة بوتين المرتقبة تساؤلات أوروبية حول أي تقارب محتمل بين واشنطن وموسكو، خاصة أن الدول الأوروبية تقف على خط المواجهة مع التوسعات الروسية في أوكرانيا.

الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب أصدر كتاباً بعنوان "مثلث القوة: إعادة التوازن إلى النظام العالمي الجديد"، رسم فيه مستقبل النظام العالمي الذي يضم ثلاثة أضلاع: الغرب العالمي بقيادة أمريكا وأوروبا، والشرق العالمي بقيادة الصين وروسيا، والجنوب العالمي الذي يضم اقتصادات صاعدة مثل البرازيل والهند. طرح ستوب احتمالاً نادراً هو تحالف بين أمريكا والصين وروسيا، يترك بقية العالم خلفه، مع تركيز القوة في ثلاثة أقطاب: ترامب وشي وبوتين.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

هل يتحقق الاحتمال؟

يتساءل الكاتب: هل بدأ الاحتمال الذي طرحه ستوب يتحقق مع اجتماع رؤساء الأقطاب الكبرى في بكين؟ أم أن الصراعات بين الغرب والشرق ستزداد حدة؟ أياً كانت الإجابة، فإن الكتاب انتبه إلى أن الشرق العالمي لم يعد ممكناً تجاهله، وأن الغرب لم يعد بإمكانه الادعاء بالسيادة الدائمة. زار ستوب الصين عدة مرات والتقى بشي جين بينج، محاولاً فهم ما يمنح الشرق نقاط قوة في عالم اليوم. رسالة الصين للعالم أنها تقدم المساعدة كشريك مساوٍ، على خلاف أمريكا وأوروبا، وهدفها تعديل نظام الغرب لمصلحة الشرق.

النموذج الصيني والشرق العالمي

يصف ستوب الشرق العالمي بأنه يتحدى النظام الليبرالي بقيمه وقواعده، ويضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، مع دعم الصين لروسيا دبلوماسياً واقتصادياً. يتساءل الكتاب عن التماسك داخل هذه الكتلة المكونة من 25 دولة، مشيراً إلى أن الشرق العالمي يدور حول المصالح أكثر من القيم، وأن استراتيجية الصين الصبورة تجعلها في موضع أفضل من روسيا لقيادة الشرق نحو نظام عالمي جديد.

يؤكد ستوب أن القوة السياسية والاقتصادية للصين، بالإضافة إلى صبرها الاستراتيجي، تجعلها قائدة محتملة للشرق. دول الشرق تشعر بأنها لم تحصل على نصيبها من التقدير، وستعقد تحالفات للحصول على حصة أكبر. ويضيف: "الشرق العالمي قوة شديدة تعمل تبادلياً، وعلينا أن نفهم ذلك ونرقص على إيقاع مصالحه".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التكنولوجيا والابتكار الصيني

ينتقل ستوب إلى تحليل النموذج الصيني، مشيراً إلى أن الصين تطور وتنمو أكثر من أي دولة أخرى، وصارت شريكاً ومنافساً للغرب. بينما كان الغرب منشغلاً بتصور نفسه فوق القمة، كانت الصين تعمل بصمت لبناء قوتها. سرعة الإغلاق واستجابة الشعب الصيني خلال سياسة "صفر كوفيد" لا يمكن أن تحدث في الغرب الذي يضع الحريات الفردية قبل الالتزام الجماعي.

في مجال التكنولوجيا، يتجاوز حجم طلبات براءات الاختراع الصينية الولايات المتحدة بنسبة 90%، والعالم يراها مرشحاً ذا مصداقية عالية لقيادة تكنولوجيا المستقبل. شركات مثل هواوي وعلي بابا وتنسينت أظهرت قدرة الصين على الابتكار وتوفير سوق استهلاكي واسع. ينظر الخبراء إلى الصين كمرشح لقيادة العالم في تصميم البرمجيات وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة.

الاستراتيجية الجيوسياسية

يوجد بين دول الشرق العالمي عداء مشترك تجاه الهيمنة الغربية، وهو فرصة للصين وروسيا لتأكيد نفوذهما. استراتيجية الصين البطيئة والمتسللة أقرب للنجاح من استعراض القوة الروسي. تسعى الصين لكسر الرابطة بين أمريكا وأوروبا، وتميز بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتسعى لزيادة التعاون مع الاتحاد الأوروبي على حساب أمريكا. مبدأ الصين هو "أخفِ قوتك وانتظر اللحظة المناسبة"، كما قال دينج شياو بينج.

الصين ليست متعجلة لقيادة العالم، ولديها كل الوقت والسكان والموارد. نموذج الحكم الصيني سيكون مزيجاً فريداً من رأسمالية السوق التي تتحكم فيها الدولة والتخطيط المركزي مع اللامركزية الاقتصادية. النمو الاقتصادي ومستوى الرفاهية في الصين سبب للحفاظ على السلام الداخلي وإظهار القوة الدولية.

في النهاية، يظل التعاون الاقتصادي بين دول الشرق العالمي اختياراً تكتيكياً يستند على أهداف سياسية قصيرة الأمد، لكن الصين وروسيا هما مركز القوة الاقتصادية في الشرق، وكل منهما يلعب في دوري مختلف.