في لحظة إقليمية شديدة التوتر، تتزايد فيها احتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للحرب أن تحسم ملف البرنامج النووي الإيراني؟ الإجابة بالنفي تبدو حاسمة، كما تطرحها صحيفة نيوزويك على لسان جوناثان جرانوف، رئيس المعهد العالمي للأمن، الذي أكد أن التجارب التاريخية ومنطق العلاقات الدولية يؤكدان أن الحروب نادراً ما تنهي الأزمات النووية، بل غالباً ما تعقدها وتفتح أبواباً أوسع للفوضى وانتشار الأسلحة.
القلق الدولي من البرنامج النووي الإيراني
يستهل الخبير الأمريكي مقاله بالقول إن القلق الدولي من احتمال سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي ليس جديداً، لكنه بلغ ذروة غير مسبوقة في ظل التصعيد الحالي، وبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على طهران. ومع ذلك، فإن أي حل دائم لا يمكن أن ينبع من القوة العسكرية، بل من أدوات أكثر رسوخاً واستدامة، منها المعاهدات الدولية والدبلوماسية متعددة الأطراف وأنظمة الرقابة الصارمة، خاصة أن الإطار القانوني للمضي في هذا المسار قائم بالفعل، لكنه يحتاج إلى إعادة تفعيل وتطوير، لا إلى تجاوزه أو تقويضه.
معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية: حجر الزاوية
توضح نيوزويك أن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية تشكل حجر الزاوية في النظام النووي العالمي. ومع اقتراب انعقاد مؤتمر المراجعة المقبل للمعاهدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، تبرز أهمية هذه اللحظة كفرصة لإعادة تقييم الالتزامات الدولية وتعزيز آليات التنفيذ. تقوم المعاهدة على صفقة كبرى: الدول غير النووية تتعهد بعدم تطوير أسلحة نووية، مقابل التزام الدول الخمس المالكة للسلاح النووي (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، وروسيا) بالعمل بحسن نية لإنهاء سباق التسلح النووي والسعي نحو نزع السلاح.
كما تنص المادة الرابعة من المعاهدة بوضوح على الحق غير القابل للتصرف للدول في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، مع ضمان تبادل التكنولوجيا والمعلومات في هذا المجال. ويشدد كاتب المقال على أن هذه ليست مجرد مبادئ نظرية، بل التزامات قانونية ملزمة، صادقت عليها الغالبية الساحقة من دول العالم، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة، ولا يقف خارج هذا الإطار سوى أربع دول فقط.
مطالبات وقف التخصيب تتعارض مع المواثيق الدولية
في هذا السياق، تبدو بعض الطروحات التفاوضية، مثل مطالبة إيران بوقف تخصيب اليورانيوم لفترات طويلة حتى لأغراض سلمية، متعارضة مع نص وروح المعاهدة. في المقابل، تفرض المعاهدة نفسها قيوداً صارمة تهدف إلى منع تحويل البرامج النووية السلمية إلى مسارات عسكرية، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن هذه القيود، كما يرى الكاتب، يمكن بل يجب تعزيزها بشكل أكبر، ليس فقط في حالة إيران، بل على نحو شامل يطبق على جميع الدول غير النووية.
السجل النووي الإيراني وتحديات الثقة
تمضي الصحيفة بالقول إنه لا يمكن إنكار أن سجل إيران النووي يثير تساؤلات مشروعة. فقد كشفت تقارير في مطلع الألفية عن أنشطة نووية غير معلنة، مما قوض الثقة وأثار شكوكاً حول طبيعة البرنامج الإيراني. ورغم نفي طهران المستمر لأي نوايا عسكرية، فإن اعتبارات السيادة الوطنية تجعل من الصعب توقع اعتراف كامل بالأخطاء السابقة. وهنا تتقاطع حقيقتان متناقضتان: الأولى قلق دولي من سباق نحو السلاح النووي، والثانية إصرار طهران على سلمية البرنامج النووي الإيراني.
وتؤكد نيوزويك أن هذا التناقض، رغم حدته، ليس مستعصياً على الحل، إذ يمكن تجاوزه عبر تعزيز معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية نفسها، من خلال تطوير نظام رقابي أكثر صرامة ومرونة، يتيح عمليات تفتيش شاملة ومفاجئة في أي وقت وفي أي مكان. وترى أن مثل هذا النظام، إذا جرى تطبيقه بشكل عالمي وليس انتقائياً، يمكن أن يبدد المخاوف ويعيد بناء الثقة.
استلهام تجربة اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية
في هذا الإطار، يمكن استلهام تجربة اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تسمح بعمليات تفتيش مفاجئة دون قيود جغرافية أو زمنية. وفي حالة تطبيق نموذج مماثل على برامج تخصيب اليورانيوم، تحت إشراف وكالة دولية معززة الصلاحيات، قد يشكل نقلة نوعية في منظومة منع الانتشار النووي. بموجب هذا التصور، تحتفظ إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم، لكنها تقبل في المقابل بأكثر أنظمة التفتيش صرامة في التاريخ. هذه المعادلة لا تعد عقاباً، بل جزءاً من معيار عالمي جديد يتم تطبيقه على الجميع.
وفي الوقت ذاته، يتعين على الدول النووية أن تظهر التزاماً حقيقياً بإحياء مسار نزع السلاح، وهو التزام أصيل في صلب المعاهدة، لكنه تراجع في السنوات الأخيرة بفعل سياسات تحديث الترسانات النووية. اللافت أن هناك سوابق مشجعة في هذا المجال، فمنذ نهاية الحرب الباردة، نجحت الدول النووية في تقليص ترساناتها بأكثر من 80%، وهو إنجاز مهم لكنه لا يحظى بالاهتمام الكافي. غير أن هذا الاتجاه بدأ في الانعكاس مؤخراً، مما يستدعي إعادة الزخم إلى جهود نزع السلاح كجزء لا يتجزأ من أي تسوية شاملة.
تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز الأمن العالمي
ويرى جرانوف أن تبني هذا النهج لا يقتصر على حل الأزمة الإيرانية فحسب، بل يمكن أن يحولها إلى فرصة لتعزيز الأمن العالمي. فبدلاً من تصعيد قد يؤدي إلى انتشار أوسع للأسلحة النووية، يمكن بناء نظام أكثر صلابة وشفافية يحد من المخاطر على الجميع. كما أن هذا المسار يمنح إيران مخرجاً يحفظ ماء الوجه، ويمنح الولايات المتحدة وحلفاءها فرصة لإثبات التزامهم بسيادة القانون الدولي.
في المقابل، فإن الانزلاق إلى حرب موسعة مع إيران لن يحقق هذه الأهداف، بل سيؤدي على الأرجح إلى زيادة العنف وعدم الاستقرار، ويدفع دولاً أخرى إلى التفكير في امتلاك أسلحة نووية كوسيلة ردع. لذلك، تميل غالبية القوى الدولية، بما في ذلك الدول الأوروبية والصين، إلى تفضيل حل دبلوماسي قبل أن تتسع رقعة الصراع.
القانون الدولي هو الإطار الأكثر عقلانية
وتختتم نيوزويك تقريرها بالقول إنه في النهاية، يظل القانون الدولي هو الإطار الأكثر عقلانية وفاعلية لإدارة هذه الأزمة. فمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل أداة حية يمكن تطويرها لتواكب التحديات الراهنة. المطلوب اليوم هو توظيفها بمرونة وصرامة في آن واحد، وبشكل شامل لا يستثني أحداً. كما يجب إدراك أن الطريق إلى تجنب الحرب لا يمر عبر الهيمنة أو الإكراه، بل عبر بناء الثقة وتعزيز آليات التحقق والالتزام بالقواعد المشتركة.



