الخطان الأصفر والبرتقالي في غزة.. إعادة تشكيل حدود القطاع تحت الاحتلال
الخطان الأصفر والبرتقالي.. إعادة تشكيل حدود غزة

على أبواب الشهر السابع من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تتزايد المخاوف من أن تتحول خطوط الفصل الإسرائيلية المؤقتة إلى حدود دائمة تعيد رسم خريطة السيطرة داخل القطاع. فمع كل صباح، يستيقظ سكان غزة ليجدوا أن ما يعرف بالخط الأصفر تحرك خلال الليل، لتتحول مناطق سكنهم فجأة إلى مناطق استهداف لقوات الاحتلال الإسرائيلية، قبل أن يمتد هذا الواقع الميداني لاحقا إلى ما يعرف بالخط البرتقالي.

الخط الأصفر: من مؤقت إلى دائم

بحسب اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية في 10 أكتوبر 2025، كان من المفترض أن يكون الخط الأصفر إجراء مؤقتا تمهيدا لانسحابات إسرائيلية لاحقة، إلا أن الواقع الميداني سار في الاتجاه المعاكس؛ إذ تقدم الخط في عدة مناطق، موسعا نطاق سيطرة جيش الاحتلال إلى ما يتجاوز بكثير نسبة 53% من مساحة قطاع غزة التي حددتها الخرائط الأصلية لاتفاق الهدنة. تقول جريدة "ذا جارديان" البريطانية: وفقا لوكالة الأبحاث "فورينسيك أركيتكتشر"، كانت إسرائيل قد سيطرت بحلول ديسمبر الماضي على 58% من مساحة القطاع المحاصر، مع استمرار تقدمها لاحقا.

سواتر ترابية وحصون خرسانية

وفي سياق سياسته التوسعية الممنهجة، أقام جيش الاحتلال سلسلة من السواتر الترابية المرتفعة على طول الخط، ما يمنحه إشرافا على الأحياء السكنية ويتيح لرامي الدبابات والقناصة رؤية مساحات واسعة من المدن الفلسطينية المدمرة. وفق جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي سواتر ترابية مرتفعة تمتد لـ16 كيلومترا، معظمها في الشمال، فيما بدأت الجرافات بإقامة تحصينات ترابية جديدة في مدينة غزة وخان يونس. وخلال الأشهر الأخيرة أنشأت سلطات الاحتلال سبعة حصون خرسانية جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي في القطاع إلى 32 موقعا، وجميعها أُقيمت على طول الخط الأصفر. ومع تحرك هذه العلامات المادية غربا، تحركت معها أيضا منطقة غير معلنة يعتبر فيها أي فلسطيني أو مركبة فلسطينية تهديدا وهدفا مشروعا.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

توزيع السيطرة حسب المحافظات

وبحسب تحليل صادر عن مجموعة الأبحاث "تي-بوليتوجرافي"، فإن الخط الأصفر الذي أعلنت إسرائيل إنشاءه، يضع نحو 57.8% من مساحة قطاع غزة تحت سيطرتها، موزعة ما بين 68.3% من محافظة خان يونس، و62.9% من رفح، و64.3% من مدينة غزة، و43.8% من شمال غزة، و21.9% من دير البلح.

الخط البرتقالي: حدود خفية زاحفة

وواصلت سلطات الاحتلال مخططاتها التوسعية الممنهجة للاستيلاء على مزيد من أراضي غزة، حيث أقامت ما أطلقت عليه الخط البرتقالي، على مسافة تتجاوز حدود الخط الأصفر بحوالي 200 إلى 500 متر، وأقامت ثلاثة سواتر ترابية متصلة على طول الخط الأصفر قرب بيت لاهيا، مشكلة حاجزا مرتفعا يمكن رؤيته من مسافات بعيدة؛ فيما أعلنت الأمم المتحدة في مارس الماضي أن الخط البرتقالي تقدم إلى الأمام، وأن 10 منشآت تابعة للأمم المتحدة أصبحت الآن داخله، بينها مراكز إيواء طارئة للنازحين.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ويصنف الخط البرتقالي كحدود خفية، حيث لا توجد مساحة رسمية دقيقة محددة له، وباستحداث هذه الحدود فإن إسرائيل تضم مساحات إضافية من الأراضي المتبقية لسكان قطاع غزة، ما يجعله نطاقا زاحفا حيث يتم تحويل كتل سكنية كاملة في أحياء غزة إلى مناطق عسكرية بمجرد تقدم الآليات لتثبيت نقاط إسرائيلية جديدة.

11% إضافية من مساحة غزة

بحسب تقرير نشره "المركز الفلسطيني للإعلام"، يهدف الخط البرتقالي إلى توسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة من خلال استراتيجية الزحف الميداني، وخلق واقع جديد بدلا من الالتزام بحدود ثابتة، بحيث يتحرك جيش الاحتلال لمسافة مئات الأمتار إضافية داخل الأحياء السكنية مما يحول هذه المساحات الجديدة إلى مناطق عسكرية مغلقة. ويمتد الخط البرتقالي ليقتطع نحو 11% إضافية من مساحة القطاع، مكملا نطاق السيطرة القائم خلف الخط الأصفر، ما يرفع مجمل المناطق الخاضعة فعليا لسيطرة الاحتلال إلى قرابة ثلثي مساحة غزة.

أكثر من نصف مساحة غزة تحت السيطرة الإسرائيلية

تتعامل سلطات الاحتلال مع هذا الخط كأمر واقع غير معلن، إذ لم تنشر الخرائط رسميا، بل جرى تمريرها إلى منظمات إغاثية دولية مع تعليمات بتنسيق الحركة داخل هذه النطاقات. تشير المعطيات الميدانية إلى استخدام الاحتلال الخط البرتقالي كغطاء لتكريس مناطق عازلة دائمة، تفرض بالقوة دون ضمانات للمدنيين، وهو ما يتفق مع تصريحات أدلى بها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، في نهاية مارس، معلنا أن أكثر من نصف مساحة القطاع باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تأكيد استمرار العمليات العسكرية.

الخلاصة: واقع جديد مفروض

وفي المحصلة، تكشف خطوط السيطرة الإسرائيلية في غزة، وعلى رأسها الخطان الأصفر والبرتقالي، عن مسار متصاعد لإعادة تشكيل الواقع الميداني في القطاع تحت غطاء ترتيبات مؤقتة لوقف إطلاق النار. فبدلا من تثبيت الهدوء، تتحول هذه الخطوط إلى أدوات توسع تدريجي تكرس مناطق نفوذ متحركة، وتدفع باتجاه خرائط قسرية، في ظل غياب ضمانات حقيقية لوقف دائم لإطلاق النار أو حماية فعالة للمدنيين.