كلما امتد زمن الجمود السياسي بشأن التفاوض بين واشنطن وطهران، تفاقمت أزمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعمقت الخسائر الاستراتيجية للولايات المتحدة، من فقدان المصداقية وثقة الحلفاء، إلى تبدد عصر الهيمنة الأمريكية والأحادية القطبية، ليعاد رسم خريطة القوى العالمية بدلاً من تغيير خارطة الشرق الأوسط بالقوة.
خيارات ترامب لكسر الجمود
يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كسر جمود العملية السياسية، واستئناف المفاوضات المباشرة مع الإيرانيين، بإنهاء الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية. وبوسعه تسويق هذا القرار الشجاع باعتباره استجابة لمطالب الحلفاء، وإبداء حسن النية، واستعداده لإنهاء هذا الصراع على مائدة التفاوض، مع إبقاء حشوده العسكرية في المنطقة، أي الاحتفاظ بالخيار العسكري حال الفشل في التوصل إلى تسوية سلمية.
باتخاذ مثل هذا القرار سيكون الرئيس الأمريكي قد نزع ذريعة إيران بالامتناع عن المضي قدماً في خوض المفاوضات، وأظهر بلاده تتصرف بحكمة ورشد باعتبارها القوة العالمية الأعظم، وهو في نفس الوقت لم يعلن انسحابه من الحرب أو استسلامه أمام صلابة وصمود الإيرانيين.
فشل الحصار الأمريكي
في الواقع محاصرة موانئ إيران عمل عدائي لا يتسق مع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تضمن فتح مضيق هرمز من جانب إيران. علاوة على ذلك لن ينجح الحصار في منع الصادرات الإيرانية من النفط نهائياً، فالدولة تاريخياً تعلمت على مدى 47 عاماً كيف تجد لنفسها مسارات بديلة تتجاوز بها العقوبات الأمريكية والأوروبية.
صحيفة الفايننشيال تايمز تنقل عن مجموعة فورتكسا البريطانية لتتبع سفن الشحن وناقلات البترول عبور 19 سفينة إيرانية مضيق هرمز، 6 منها على الأقل محملة ببراميل النفط الإيراني، دون أن تتمكن البحرية الأمريكية من رصدها بسبب إطفائها أجهزة الإرسال والتتبع واستخدامها لبعض التقنيات الشبحية. كذلك رصدت المجموعة عبور 15 سفينة أخرى مضيق هرمز متجهة إلى الموانئ الإيرانية أيضاً دون أن ترصدها السفن الأمريكية التي تشارك في الحصار.
إلى ذلك تمتلك إيران 8 آلاف كيلومتر حدوداً برية مشتركة بدأت تفعيلها وتحسين إمكانيات استخدامها كأحد الخيارات المتاحة لتجاوز الحصار الأمريكي. ومع ذلك ليس من المتوقع أن تتعايش طهران طويلاً مع هذا الحصار في ظل احتمال جعله حصاراً مطبقاً، ما قد يدفع الحرس الثوري إلى تنفيذ تهديداته بفك الحصار عسكرياً بتوجيه ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيرة ضد القطع البحرية الأمريكية.
الوقت سيف على رقبة ترامب
يقول المثل العربي «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك». يعتقد ترامب أن الحصار سلاح نافذ سينجح في خنق الإيرانيين بالمزيد من الضغط على مواردهم الاقتصادية، ومن ثم فإن الوقت من هذه الزاوية ليس في صالح الإيرانيين. يلجأ الرئيس الأمريكي إلى سياسة الخنق الاقتصادي، ربما لأنه يخشى استئناف الحرب بعد أن استنفدت الـ38 يوماً الأولى منها ما يقرب من 50% من مخزون الصواريخ الاستراتيجية الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي، طبقاً لما نشره موقع الـسي إن إن ووسائل إعلام أمريكية عديدة، ما يجعل الولايات المتحدة في موقف حرج حال اندلع صراع مع الصين حول جزيرة تايوان، والتي قدّر البنتاجون في وقت سابق أنها قد تذهب إلى استعادة السيطرة عليها عسكرياً في غضون عام 2027.
طبقاً للتقارير الأمريكية ذاتها، تحتاج واشنطن ما بين 3 و5 سنوات لاسترداد ذخيرتها الضائعة في العدوان على إيران، وإلى فترات أطول لتعظيم هذا المخزون، استعداداً لاندلاع الصراع في أي من مسارح العمليات المرتبطة بمصالح الأمن القومي الأمريكي.
في المقابل تقول إيران إنها تمتلك 15 ألف صاروخ باليستي وأكثر من 45 ألف طائرة مسيرة، وتؤكد تقارير استخباراتية نشرتها وسائل الإعلام الغربية أن إيران تحتفظ على الأقل بـ60% من قدراتها الصاروخية. فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن الصين قامت خلال فترة الهدنة بنقل شحنات عسكرية كبيرة إلى إيران، وهو ما نفته بكين في عدة بيانات صادرة عن وزارة خارجيتها.
المحصلة النهائية تمتلك إيران مخزوناً من الأسلحة يمكنها من القضاء على الـ50% المتبقية من ذخائر الولايات المتحدة خلال أسابيع قليلة، لتصبح مكشوفة تماماً أمام أعدائها الاستراتيجيين (الصين وروسيا).
تداعيات استئناف الحرب
قد يعني استئناف الحرب تعرض الدولة الفارسية إلى دمار غير مسبوق، بالنظر إلى تهديدات ترامب السابقة التي شملت جرائم حرب وفقاً للقانون الدولي، لكنه سيعني أيضاً تدميراً هائلاً للبنى التحتية المدنية والعسكرية داخل الكيان الصهيوني، بحسب تحذيرات الجانب الإيراني، علاوة على تفجير كافة مصادر إنتاج الطاقة والنفط في دول الخليج، وما يعنيه ذلك من تعميق الأزمة الاقتصادية العالمية لعدة عقود.
من هذه الزاوية أصبح «الوقت» ليس فقط سيفاً مسلطاً على رقبة ترامب، وإنما على مستقبل بلاده كقوة عالمية عظمى، على عكس ما يدعيه الرئيس الأمريكي بأنه ليس في عجلة من أمره.
انقسامات داخلية وخارجية
يعاني ترامب من انقسامات حادة داخل إدارته وداخل المجتمع السياسي الأمريكي، وهو ما عبّرت عنه قراراته بشأن إقالة عدد كبير من الجنرالات المخضرمين داخل الجيش الأمريكي، وكذلك استطلاعات الرأي العام التي تشير بوضوح إلى تراجع شعبيته بأكثر من 60%، إضافة إلى تراجع ملحوظ في نسبة المؤيدين للكيان الصهيوني، لا سيما بين الشباب.
عبثاً حاول ترامب ومساعدوه الهواة نقل صورة هذا الانقسام إلى النظام في طهران، الذي أبدى تماسكاً ووحدة في الرؤى والمواقف بين مختلف المستويات السياسية والعسكرية، وبالمثل يحاول الترويج إلى أن عامل الوقت يلعب لصالحه.
تداعيات الحرب التي عانى منها المواطن الأمريكي في سعر جالون البنزين، الذي تجاوز الـ5 دولارات بمعظم الولايات، وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم، وتنامي الرأي العام الرافض للعدوان على إيران، كلها عوامل تجعل عنصر الوقت ضاغطاً على سيد البيت الأبيض.
علاوة على ذلك سيضطر الرئيس الأمريكي مع حلول الأول من مايو المقبل إلى تقديم طلب إلى الكونجرس لمد العملية العسكرية على إيران، طبقاً لما يعرف بقانون صلاحيات الرئيس في الحرب الصادر عام 1973، حيث يشير تقرير من فورين بوليسي إلى أن الجيش الأمريكي لا يستطيع الاستمرار في عملية عسكرية أكثر من 60 يوماً، وفي حال رفض الكونجرس طلب ترامب أو عزف عن تقديمه يصبح لزاماً عليه إنهاء هذه العملية خلال 30 يوماً كحد أقصى يتم خلالها سحب قوات الجيش من مسرح العمليات بشكل آمن.
الضغوط الخارجية التي باتت واضحة في الداخل الأمريكي، والتي تتمثل في رفض باقي دول الناتو من الاتحاد الأوروبي إضافة إلى إنجلترا الانخراط في هذا العدوان ومن ثم الابتعاد عن الولايات المتحدة إلى درجة أن أوروبا بدأت تتحدث جدياً عن ضرورة بناء نظام دفاعي ذاتي لا يعتمد على الحليف الأمريكي، ناهيك عن تلاشي ثقة من كانوا يوصفون بالحلفاء في الشرق الأوسط وما تعرف بمجموعة دول آسيان جنوب شرق آسيا مثل اليابان والفلبين.
الخلاصة
العدوان الصهيوأمريكي لم يُفضِ إلى شيء سوى فقدان أمريكا ثقة العالم ومصداقيتها لدى الأصدقاء قبل الأعداء، وسقوط هيبتها كقوة عظمى، لأنه ببساطة افتقد الأساس القانوني والمشروعية الأخلاقية والسياسية. استمرار هذا الجمود يجعل رقبة الولايات المتحدة معلقة في مشنقة الوقت، وليس أمام ترامب سوى اتخاذ مواقف أكثر مرونة تتيح المجال أمام استئناف العملية الدبلوماسية والتوصل ولو إلى اتفاق إطاري يتم بموجبه إعلان وقف الحرب نهائياً واستمرار مفاوضات طويلة الأجل بهدف الوصول لحل شامل ينهي جذور الصراع.



