ملامح العيد تغيب وسط الركام في غزة للعام الثالث على التوالي
العيد غائب في غزة للعام الثالث وسط دمار وأسى

بينما تتزين البيوت في العيد بملابس جديدة وتتحول الأحياء إلى ساحات فرح جماعية، يبدو المشهد في غزة مختلفاً بصورة قاسية. فقد جاءت أيام العيد على قطاع أنهكته الحرب الطويلة، وتركته غارقاً في الفقد والنزوح والجوع وخراب البيوت.

عيد بلا عيد

في غزة اليوم، لا تبدو ملامح العيد واضحة إلا في أصوات التكبيرات التي تخرج من المساجد أو من مكبرات الصوت التي تجوب بعض الشوارع، بينما يغيب كل شيء آخر تقريباً؛ فلا أسواق مكتظة، ولا موائد عامرة، ولا أضاحٍ تنتظر الذبح، ولا حتى بيوت قادرة على استقبال العيد كما كانت تفعل في السابق.

أدى عشرات الفلسطينيين صلاة عيد الأضحى داخل المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، في ظل إجراءات إسرائيلية مشددة شملت إغلاق عدد من بوابات المسجد وتشديد عمليات التفتيش على المصلين، إلى جانب إطلاق قنابل صوتية في محيط المكان، ما تسبب بحالة من التوتر والذعر بين الأهالي خلال أداء شعائر العيد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وأكد شهود عيان أن قوات الاحتلال فرضت قيودًا واسعة على دخول المصلين إلى الحرم الإبراهيمي، حيث خضع الوافدون لتفتيش دقيق عند المداخل، الأمر الذي أدى إلى تأخر دخول أعداد منهم، فيما اضطر آخرون إلى التوجه نحو مساجد أخرى لأداء الصلاة.

وأضاف الشهود أن قوات الاحتلال أطلقت قنابل صوت قرب المسجد بالتزامن مع تكبيرات العيد، بينما لم يتجاوز عدد المصلين بضع مئات مقارنة بالأعداد الكبيرة التي كانت تتوافد إلى المسجد في الأعياد السابقة.

من جانبه، قال محافظ الخليل خالد دودين إن الإجراءات الإسرائيلية داخل الحرم الإبراهيمي تمثل تصعيدًا جديدًا بحق المقدسات الإسلامية، مشيرًا إلى أن أعداد المصلين هذا العام تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة القيود المفروضة على الدخول. وأضاف أن ما يجري داخل الحرم يعكس محاولات متواصلة لفرض واقع جديد على المكان، داعيًا الفلسطينيين إلى التمسك بحقهم في الصلاة والتواجد داخل المسجد باعتباره موقعًا دينيًا وتاريخيًا مهمًا يمتد عمره لآلاف السنين.

ويشهد المسجد الإبراهيمي خلال السنوات الأخيرة قيودًا متزايدة على دخول المصلين، رغم أن العادة جرت على فتحه بالكامل أمام المسلمين خلال المناسبات الدينية الكبرى، ومنها عيدا الفطر والأضحى. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا مستمرًا منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، وسط تزايد عمليات الاقتحام والاعتقالات واعتداءات المستوطنين في عدد من المدن والقرى الفلسطينية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

غياب الأضاحي وارتفاع الأسعار

لم تتوقف آثار الحرب عند الجانب الإنساني فقط، بل امتدت إلى الأسواق والقطاعات المرتبطة بموسم العيد، وعلى رأسها تجارة المواشي والأضاحي التي شهدت انهياراً غير مسبوق هذا العام. وتشير المؤسسات الخيرية إلى أن تنفيذ مشاريع الأضاحي أصبح شبه مستحيل بسبب إغلاق المعابر، وتراجع أعداد المواشي، والارتفاع الكبير في أسعارها. فبعدما كان سعر الخروف في متناول كثير من الأسر قبل الحرب، بات اليوم يصل إلى آلاف الدولارات، ما جعل شراء الأضاحي أمراً خارج قدرة المواطنين وحتى المؤسسات الإنسانية.

هذا الواقع دفع عدداً من الجمعيات إلى الاتجاه نحو توزيع اللحوم المجمدة كبديل اضطراري، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات الأسر خلال أيام العيد، خاصة مع تزايد أعداد النازحين والأسر التي فقدت مصادر دخلها بالكامل.

الأسواق تفقد زحامها المعتاد

وفي أسواق غزة، تبدو الحركة التجارية ضعيفة مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من المواطنين بالتجول والسؤال عن الأسعار دون القدرة على الشراء. ويقول تجار إن تكاليف إدخال البضائع ارتفعت بصورة هائلة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الملابس والمواد الغذائية. وأصبحت العائلات تركز على توفير الطعام والاحتياجات الأساسية بدلاً من شراء ملابس العيد أو مستلزمات الاحتفال، خاصة مع استمرار الأزمة الاقتصادية ونقص السيولة.

ورغم ذلك، تحاول بعض الأسر داخل المخيمات خلق أجواء بسيطة للأطفال عبر إعداد كميات محدودة من الكعك أو تعليق بعض الزينة داخل الخيام، في محاولة للتمسك بأي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية وسط هذا الواقع القاسي.

عيد بطعم الفقد

ويمر عيد الأضحى هذا العام على غزة محملاً بآثار الحرب الثقيلة، حيث تختلط التكبيرات بأصوات الحزن، وتغيب موائد الأضاحي لتحل محلها طوابير المساعدات والخيام الممتدة على الأرصفة. وبين مدينة فقدت بيوتها وأسواقها وكثيراً من أهلها، يحاول السكان التمسك بما تبقى من قدرتهم على الصمود، في وقت تبدو فيه فرحة العيد مؤجلة إلى حين انتهاء سنوات طويلة من الألم والفقد والدمار التي غيّرت ملامح الحياة بالكامل داخل القطاع.