مثل كرة هدم خارجة عن السيطرة تتأرجح بعنف ذهابا وإيابا، يحطم دونالد ترامب النظام الدولي دون تفكير كبير في العواقب، ويفتقر إلى استراتيجيات متماسكة أو خطط قابلة للتطبيق أو أهداف ثابتة، ويتنقل بشكل متقلب بين منطقة هشة وأخرى، ومنطقة حرب متوترة إلى سياق جيوسياسي معقد، تاركا خلفه المعاناة والارتباك والدمار. وكالعادة، يعلن انتصارا زائفا، ويطالب الآخرين بإصلاح الأضرار ودفع التكاليف، ثم يبحث عن شيء جديد ليكسره.
ترامب في حقل ألغام تايوان
في هذا السياق، سيدخل ترامب هذا الأسبوع إلى حقل ألغام دولي آخر، وهو المواجهة المتوترة بين الصين وتايوان، عندما يتوجه إلى بكين للقاء نظيره الصيني شي جين بينج في قمة تستمر على مدى يومي 14 و15 مايو الجاري؛ وهي القمة التي جرى تأجيلها سابقا بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وبعد سلسلة من الانهيارات السياسية المحرجة في أوكرانيا وغزة وحلف الناتو وجرينلاند، والآن إيران ولبنان، يطمع ترامب، وهو أول رئيس أمريكي تطأ قدمه الصين منذ عقد من الزمان، في نجاح دبلوماسي يمكنه التفاخر به داخليا. لكن آماله قد تتبخر في الحصول على قبول صيني بعدم تسليح إيران إذا تجدد القتال الشامل، أو الحصول على موافقة بكين بمساعدته في إبقاء مضيق هرمز مفتوحا ضمن إطار اتفاق سلام محتمل.
محور صيني روسي كوري شمالي بحضور إيراني
وفي السياق، قال الكاتب البريطاني المتخصص في الشؤون السياسية سيمون تيسدال في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية: ماذا سيفعل شي بضيفه الغاضب إلى هذا الحد؟ بالنسبة للصين، يمثل ترامب هدية مستمرة. وبفضله، ينظر إلى الولايات المتحدة بشكل متزايد دوليا على أنها عدو محتمل عدواني أو حليف غير موثوق يميل إلى الخيانة؛ ويؤمن بينج بأن تراجع نفوذ واشنطن وتأثيرها يصب في مصلحة بكين؛ حيث تساعد تقلبات ترامب الرئيس الصيني في الترويج لبكين كحارس جديد للاستقرار العالمي.
كما أن مأزق الحرب على إيران يقلل من قدرات الولايات المتحدة العسكرية على الدفاع عن تايوان وحلفائها الإقليميين في مواجهة العدوان الصيني المستقبلي.
شحنات النفط الإيرانية
من بين أهم الملفات التي من المتوقع أن تهيمن على القمة، التأثيرات السلبية التي لحقت بالصين جراء الحرب على إيران، وتحديدا ما يتعلق بأسعار الطاقة والتجارة العالمية والطلب على الصادرات، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الصيني بالفعل.
يقول تيسدال: في العام الماضي، اشترت الصين نحو 80% من شحنات النفط الإيرانية، وهي شحنات تعرقلها البحرية الأمريكية الآن؛ وحتى الآن، تمكنت بكين إلى حد كبير من تعويض نقص الإمدادات من الخليج عبر السحب من الاحتياطات، والاستفادة من الطاقة الخضراء، وشراء مزيد من النفط من دول مثل البرازيل وروسيا. لكن بالنسبة لأكبر مستورد للنفط الخام في العالم، فإن الملاحة الآمنة في مضيق هرمز أمر بالغ الأهمية.
ويضيف: لا يتردد الرئيس الصيني في مواجهة ترامب. فقد حذر مؤخرا من العودة إلى "قانون الغاب"، مشددا على أنه "للحفاظ على سلطة القانون الدولي، لا يمكننا استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا"، فيما وصف بالرسالة اللاذعة.
أحلام واشنطن تصطدم على صخرة الحرب
يقول تيسدال: إن الفكرة المتفائلة التي تطرح في واشنطن بأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي السافر على إيران قد دفع الرئيس الصيني إلى التعاون، وقد يردع طموحات الصين في تايوان وبحر الصين الجنوبي، كان من الممكن أن تكون مقنعة حال حقق ترامب النصر في تلك الحرب؛ لكن بدلا من ذلك، كشف ترامب حدود القوة الأمريكية العسكرية والسياسية، وأظهر نقصا مدهشا في الفهم الاستراتيجي.
وبينما يفضل الرئيس الصيني حلا سلميا، فإن أولويته ليست إخراج ترامب من مأزق الشرق الأوسط. وإذا اختار، فإنه يمتلك الوسائل لإطالة أمد الأزمة الأمريكية عبر توسيع الدعم العسكري غير المعلن لإيران، كما فعل مع روسيا في أوكرانيا، بحسب الكاتب البريطاني.
تداعيات فشل ترامب في إرضاء نظيره الصيني
يقول تيسدال: تزعم مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث أمريكي محافظ، أن الصين تزود إيران بالفعل بمواد كيميائية أولية ذات استخدام مزدوج لصواريخها الباليستية، ومعلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية عن تحركات القوات الأمريكية، ومساعدة في التحايل على العقوبات وغسل الأموال. ومن المحتمل أن يتدفق دعم عسكري أكثر وضوحا إلى طهران إذا استأنف ترامب القصف أو فشل في إرضاء شي خلال محادثات القمة.
ويتابع: بالنسبة لرجل يحب التفاخر بأنه يمسك بكل الأوراق، قد يجد الرئيس الأمريكي نفسه يفتقر بشدة إلى أوراق رابحة عندما يجلس مع شي. حيث أضعف ترامب موقف الولايات المتحدة بشكل كارثي بانشغالاته وانحيازاته في الشرق الأوسط. وكالعادة، قد يتحمل الآخرون ثمن فشله، وهو ما قد يثير قلق تايوان وحلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.
الصين في موقع القيادة
ويتساءل تيسدال قائلا: هل سيعلن ترامب انتصارا زائفا آخر على المسرح العالمي في بكين بينما يتخلى عن حلفاء الولايات المتحدة؟ وهل يخضع ترامب مرة أخرى لزعيم ديكتاتوري معادٍ للديمقراطية والغرب؟ وهل يدمر ترامب -بتهوره- عقودا من الدبلوماسية الدقيقة التي منعت حتى الآن اندلاع حرب في المحيط الهادئ حول تايوان؟
ويجيب: هذا الأسبوع، وبسبب ترامب، تتضح ملامح تراجع مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى في العالم، ومع كل هذا التخبط، فإن هذا الشخص الجاهل -على حد وصفه وتعبيره- قد وضع الصين في مقعد القيادة.



