في لحظات الاضطرابات والأزمات الكبرى، تنكشف حقيقة الدول ومواقفها، وتظهر الفوارق بين من يكتفي بإصدار البيانات، وبين من يصنع التوازن بالفعل والحضور والتأثير. في خضم التوترات الإقليمية المتسارعة والملتهبة، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات وسلطنة عمان لتؤكد مجدداً أن مصر لا تتحرك بمنطق الاستعراض السياسي، بل بمنطق الدولة التي تعرف حجمها ووزنها، وتدرك مسؤوليتها، وتمارس دورها التاريخي والحضاري عندما تشتعل المنطقة وتصبح على حافة الخطر.
زيارة الرئيس ليست بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً
زيارة الرئيس ليست بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، بل هي رسالة سياسية واستراتيجية شديدة الوضوح، عنوانها الرئيسي: «حين تتحرك مصر.. يتغير المشهد». لقد أثبت الرئيس السيسي، مرة بعد أخرى، أنه رجل أفعال لا أقوال، فبينما ينشغل آخرون بالخطابات والانفعالات، يتحرك هو في قلب الأحداث وفي أشد اللحظات حساسية، ليؤكد أن مصر لا تزال وستظل رقماً صعباً في معادلات الأمن القومي للمنطقة والخليج، الذي هو بالنسبة لمصر جزء أصيل من الأمن القومي المصري.
ومن يقرأ توقيت الزيارة يدرك أن الرسائل التي تحملها تتجاوز المجاملات السياسية التقليدية. رسالتها الأولى موجهة إلى الأشقاء في الخليج، خاصة الإمارات وسلطنة عمان، بأن مصر معكم حضوراً وموقفاً ومصيراً مشتركاً. والرسالة الثانية أكثر وضوحاً وحسماً: كل من يفكر في تهديد استقرار الخليج أو العبث بأمنه، فإن مصر لن تقف صامتة، وأن أمن الخليج خط أحمر لا يقبل المساومة أو التراجع.
مصر لا تتحدث بمنطق المغامرة
مصر لا تتحدث بمنطق المغامرة ولا بمنطق التصعيد، ولكنها لا تقبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة للفوضى أو الابتزاز أو فرض نفوذ القوة. ومن يعرف طبيعة سياسة الرئيس يدرك أن تحركه في هذا التوقيت البالغ الخطورة يعني أنه يتابع المشهد بدقة. وبحسي السياسي وبثقة كاملة في قراءة الرئيس لطبيعة المرحلة، أعتقد أن هذه الزيارة قد تكون «كلمة السر» في تهدئة المشهد الإقليمي الحالي، لفتح مسارات جديدة لاحتواء هذا التوتر، لأن مصر عندما تدخل على خط الأزمات، فإنها تدخل بعقل الدولة وخبرة التاريخ وثقل الجغرافيا، وليس بمنطق الانفعال المؤقت أو اللحظي.
«مسافة السكة» لم تكن مجرد تعبير إعلامي عابر، إنما هي عقيدة سياسية تعكس التزام مصر الحقيقي تجاه أشقائها، وهو ما نرى المعنى العملي له اليوم، فالرئيس نفسه يتحرك وسط ظروف إقليمية شديدة التعقيد، حاملاً رسائل دعم وطمأنة وتحذير في آن واحد. وليعلم المزايدون على مصر والمشككون في دورها العربي والإقليمي أن الدول لا تقاس بحجم الضجيج على الشاشات، إنما بحجم تأثيرها الحقيقي في لحظات الخطر. فالحقيقة واضحة وضوح الشمس: عندما تحضر مصر، يعاد ترتيب الأوراق.
العلاقة المصرية الإماراتية: شراكة استراتيجية
أما عن الإمارات، فإن العلاقة بينها وبين مصر ليست مجرد علاقة سياسية بين دولتين، بل علاقة ممتدة في عمق التاريخ والوجدان العربي. فشعب الإمارات كان دائماً من أقرب الشعوب إلى قلب المصريين، كما أن المغفور له الشيخ زايد آل نهيان ترك إرثاً عربياً وإنسانياً سيظل محفوراً في ذاكرة الأمة، بما قدمه من مواقف ودعم لكثير من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر. لا يمكن أبداً الحديث عن العلاقات «المصرية الإماراتية» دون التوقف أمام المواقف التاريخية التي اتخذتها الإمارات، قيادة وشعباً، دعماً للدولة المصرية في أصعب الظروف والتحديات. ولا ننسى الدور الذي لعبه الشيخ محمد بن زايد في مساندة مصر خلال السنوات العصيبة، وهو ما يؤكد أن العلاقة بين البلدين تجاوزت حدود المصالح التقليدية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والمصير العربي المشترك.
سلطنة عمان: صوت الحكمة والاتزان
أما سلطنة عمان، فهي تمثل، وبحق، دائماً صوت الحكمة والاتزان في المنطقة العربية، وتحظى بعلاقات تاريخية راسخة مع القاهرة قائمة على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لأهمية الحفاظ على استقرار الإقليم ومنع انزلاقه نحو الفوضى وعدم الاستقرار. إن زيارة الرئيس القائد إلى دولة الإمارات وسلطنة عمان ليست مجرد تحرك دبلوماسي، بل إعلان سياسي واضح بأن مصر ما زالت حاضرة بقوة في قلب المعادلة العربية، وأنها لن تسمح بترك المنطقة رهينة للاضطرابات أو الأطماع أو المغامرات التي تهدد كيان الإقليم.



