خرج علينا السيد محمد الإتربي، رئيس اتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، ليرد على أزمة الطوابير أمام ماكينات البنوك في عيد الأضحى، وتعطل الكثير منها وعدم وجود أموال في بعضها، بتصريحات وإحصائيات أشبه بـ "كشف حساب" قاسٍ يُتلى على رؤوس الأشهاد، معلنًا أن سحوبات المصريين النقدية بلغت 100 مليار جنيه خلال 9 أيام فقط، وأن عملاء البنك الأهلي وحدهم سحبوا 9 مليارات في يومين.
كلمات الإتربي التي أراد لها أن تكون كشف حساب، تحولت لدى الكثيرين إلى عريضة اتهام مبطنة ضد ملايين المصريين الذين اصطفوا في طوابير أمام ماكينات الصراف الآلي بحثًا عن أموالهم، لا عن هبات أو منح من خزائن رؤساء البنوك أو علية القوم.
والحقيقة أن هذه الكلمات تضعنا أمام مفارقة تاريخية مؤلمة، ففي الوقت الذي أُسست فيه البنوك الوطنية -وعلى رأسها تجربة طلعت باشا حرب الرائدة- لتكون رافعة للنهوض الاقتصادي، وداعمًا لاستقلال القرار الوطني وللكادحين من أبناء الشعب، يبدو أن بوصلة العمل المصرفي قد انحرفت اليوم لتجعل من قادة هذه المؤسسات رقباء أخلاقيين، بل ومحاسبين قساة، يراقبون أنفاس المودعين، ويُحصون عليهم لقيماتهم، وتكاليف أعيادهم، وكأنهم يمارسون وصاية أبوية فجة على من يملكون المال الحقيقي، وهم عموم الشعب.
أرقام في الفراغ
إعلان السيد الإتربي الذي جاء بشيء من الزهو الممزوج بالعتاب، حول سحب نحو 100 مليار جنيه كان بمثابة استعراض رقمي وُظف للتدليل على القوة الشرائية حينًا، وللتحذير من الضغط الكثيف حينًا آخر، لكنه في حقيقته قراءة مجتزأة ومضللة للواقع الاقتصادي الراهن.
فمبلغ المئة مليار جنيه -في بلد يتجاوز تعداده المئة مليون نسمة، وتحت وطأة تضخم وحشي أكل الأخضر واليابس، وتآكل غير مسبوق في قيمة العملة المحلية- لا يعكس ترفًا ولا شراهة ولا قوة شرائية استثنائية كما يُروج له. بل هو بالكاد يكفي لسد الرمق وتدبير الحد الأدنى من احتياجات الأسر في موسم يتطلب نفقات مضاعفة. إنها أموال رواتب ومعاشات لا تكاد تغطي تكلفة الحياة الأساسية، فكيف تتحول هذه المبالغ الهزيلة في قيمتها الفعلية إلى مادة للتعجب والاستنكار من قبل قيادات تجلس في أبراج زجاجية مكيفة؟
المفارقة الأكثر فداحة تكمن في حديث السيد الإتربي عن قوة البنية التحتية للمنظومة المصرفية، ووصفه لشبكة ماكينات الصراف الآلي بأنها ضخمة ومتزنة. هذا التصريح يصطدم اصطدامًا مروعًا بما كشفته صرخات المواطنين قبل ساعات من حلول عيد الأضحى. لقد عانت محافظات بأكملها، وقرى مصرية تئن تحت وطأة التهميش، من خلو الماكينات من النقد، وتعطلها المستمر، وتكدس الطوابير في مشاهد تحط من الكرامة الإنسانية.
هذا الواقع المرير هو ما دفع النائب أشرف سعد للتقدم بطلب إحاطة، كاشفًا زيف الرواية الرسمية، ومؤكدًا أن الاعتماد على حلول وقتية لم يعد مجديًا في ظل بنية مصرفية متهالكة لا تتناسب مع الكثافة السكانية، خاصة في الريف والصعيد. إن الإنجاز الحقيقي لأي منظومة لا يُقاس في أوقات الرخاء المكتبي، بل في قدرتها على استيعاب الأزمات وتلبية حقوق الناس في المواسم دون إجبارهم على التسول أمام شاشات الماكينات المعطلة.
وانخفاض السحوبات في أول أيام العيد إلى أقل من مليار جنيه ليس دليلًا على انضباط وعي المواطنين، بل هو النتيجة الطبيعية لنفاد أرصدتهم من جهة، ونفاد الأموال من الماكينات من جهة أخرى؛ إنها استراحة إجبارية، وليست انتصارًا للتقنية.
الحداثة الرقمية والتعالي على المواطن
وفي سياق هذه السردية المتعالية، وجه رئيس اتحاد البنوك دعوة عاجلة للاعتماد على التطبيقات المالية الرقمية مثل إنستاباي كبديل عن الكاش. من حيث المبدأ، لا أحد يعارض التطور التقني أو يرفض التحول الرقمي الذي هو لغة العصر. لكن الأزمة تكمن في توظيف هذه الدعوة كأداة للتعالي وإلقاء اللائمة على المواطن البسيط.
كيف يمكن أن تطالب بائع الخضار في سوق شعبي، أو جزارًا في قرية نائية، أو مواطنًا بالكاد يملك ثمن هاتف محمول، بأن يقفز فورًا إلى قطار الرقمنة المالي، في بيئة اقتصادية تعتمد بنسبة كاسحة على الاقتصاد غير الرسمي والنقد المباشر؟
إن محاولة تصوير أزمة الطوابير على أنها ناتجة عن جهل المصريين باستخدام التكنولوجيا الرقمية، هي محاولة بائسة للهروب من مسؤولية البنوك الأساسية في توفير السيولة النقدية لعملائها عبر آليات تليق بهم. المواطن ليس ضد الحداثة الرقمية، ولكنه يطلب أبسط حقوقه: أن يجد ماله عندما يحتاجه، بالشكل الذي يتناسب مع واقعه المعيشي، لا بالشكل الذي يرضي غرور المنظومة المصرفية ويسهل عليها مهامها.
الوصاية على أصحاب المال
وهنا نصل إلى جوهر القضية، وإلى الصرخة العفوية العميقة التي أطلقها المواطن العادي، والتي تختزل وعيًا سياسيًا واجتماعيًا يتجاوز تنظيرات الخبراء. يقول لسان حال الشارع: هل أصبح رئيس البنك الذي يتقاضى راتبه من عوائد أموالنا، رقيبًا علينا يعلن ما صرفناه وما أكلناه؟
لقد تجاوزت هذه التصريحات حدود الوظيفة المهنية إلى ممارسة دور الوصاية الأخلاقية. البنك، في تعريفه الاقتصادي والقانوني، هو مؤسسة تشتغل بأموال المودعين، وتُشغلها لتعظيم الأرباح. هؤلاء المصرفيون ليسوا أصحاب فضل، بل هم في النهاية مؤتمنون، أو بتعبير أدق، موظفون لدى هذا الشعب الذي يودع مدخراته، من شقاء عمره وعرق جبينه، في خزائنهم.
عندما يتحول المؤتمن إلى منصة إعلانية وإعلامية تشهّر بأصحاب الحقوق، وتعايرهم على الملأ بأنهم شعب شَرِه أو "طفس" يستهلك أمواله في الطعام والأعياد، فإننا نكون أمام انتكاسة في مفهوم الخدمة العامة وفي أخلاقيات العمل المصرفي نفسه.
هذا الخطاب يتبنى بشكل خفي ومبطن سردية الليبرالية المتوحشة التي تُحمّل الفقراء ومحدودي الدخل مسؤولية الانهيار الاقتصادي، زاعمة أن استهلاكهم غير المرشّد هو سبب الأزمات. إنها نفس السردية التي تتجاهل أن هذا الشعب العظيم هو من يتحمل فاتورة الإصلاحات الاقتصادية القاسية، وهو من يدفع ثمن التضخم من دمه وأعصابه.
المواطن المصري لم يكن يومًا مبذرًا، بل هو أستاذ في تدبير الندرة، ومحاولته لاقتناص فرحة عابرة في عيد الأضحى بشراء بضعة كيلوجرامات من اللحم أو ملابس جديدة لأطفاله، لا ينبغي أن تكون موضع سخرية أو معايرة أو إحصاء بوليسي من قبل قيادات البنوك.
كشف الحساب المفقود.. من يُحاسب مَن؟
إذا كان السادة في اتحاد البنوك قد قرروا، بمنطق الوصاية، أن يفتحوا دفاتر إنفاق المصريين ويحاسبوهم على كل قرش سُحب من الماكينات، فإن من حق هذا الشعب -صاحب السيادة والمال الحقيقي- أن يطالب بتفعيل مبدأ المعاملة بالمثل، وأن يفتح هو دفاتر حسابات تلك البنوك وقياداتها.
طالما أننا نؤسس لعهد من المحاسبة والشفافية والعلانية، فلتكن الشفافية سيفًا مصلتًا على رقاب الجميع، لا على رقاب الضعفاء وحدهم.
أولًا: من حق الشعب أن يعرف بشكل علني وشفاف، وبتفاصيل دقيقة لا تقبل اللبس، ما هي الرواتب الشهرية والسنوية للسادة رؤساء البنوك وأعضاء مجالس إداراتها وكبار مسؤوليها؟ كم تبلغ قيمة الحوافز الفلكية والمكافآت التي تُصرف لهم من عوائد أموالنا؟ ما هو حجم الإنفاق على رحلات العمل الخارجية، والإقامات في الفنادق الفاخرة، والسيارات الفارهة، والرحلات الترفيهية التي تُغطى من ميزانيات البنوك؟ إذا كنتم تستكثرون على المواطن سحب راتبه الهزيل ليعيش، فمن حقنا أن نستكثر عليكم مظاهر البذخ التي تستنزف أرباح أموالنا.
ثانيًا: قضية القروض والتوجهات الائتمانية. إن كنتم تعتبرون الاستهلاك الشعبي للأموال إسرافًا، فلتخبرونا بشفافية أين تذهب القروض المليارية؟ من هي الفئات التي تحظى بنصيب الأسد من التسهيلات الائتمانية؟ هل تُمنح هذه القروض، التي هي في الأصل أموال المودعين الصغار، لتمويل مشروعات إنتاجية حقيقية، كبناء مصانع تستوعب طاقات الشباب العاطل، واستصلاح أراضٍ زراعية تحقق الأمن الغذائي، ودعم الصناعات الوطنية التي تقلل من فاتورة الاستيراد وتدعم قوة الجنيه؟
أم أن الواقع المُعاش يخبرنا بغير ذلك؟ هل تُسخر هذه المليارات لتمويل قروض استهلاكية للكبار؟ هل تُمنح لبناء قصور فارهة في مجتمعات مسورة، ومنتجعات ساحلية لا يطأها إلا القلة المترفة؟ هل تُقدم التسهيلات لاستيراد السلع الاستفزازية، والسيارات الفارهة، والماركات العالمية للحقائب والفساتين؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عليه اتحاد البنوك إن كان يمتلك شجاعة المكاشفة. إن البنوك في الدول التي تحترم شعوبها وتُدرك دورها الوطني، لا تقيس نجاحها بحجم ما تسحبه من جيوب الفقراء، بل بحجم ما تضخه من دماء في شرايين الاقتصاد الحقيقي.
أما أن يتم تجاهل التنمية الحقيقية، والتركيز على إقراض قطاعات الاستهلاك الترفي، ثم الخروج على الشعب لتوبيخه لأنه سحب مئة مليار جنيه في تسعة أيام ليأكل ويشرب في العيد، فهذا هو العبث بعينه.
ليس دور البنك أن يمارس دور من يتصيد أخطاء المواطنين أو يتهمهم بالجهل وعدم مواكبة العصر. وليس دوره أن ينظر بازدراء إلى الغلابة الذين يصارعون من أجل اللقمة الحاف، بينما يغض الطرف عن البذخ الملياري الذي يمارسه كبار العملاء المدعومين بتسهيلات بنكية غير محدودة.
إننا بحاجة ماسة إلى مؤسسات تدرك حجم ومكانة المواطن المصري الذي تحمل ما لا تطيقه الجبال. هذا الشعب ليس مجرد أرقام في حسابات السادة المصرفيين، بل هو صانع ثروة هذا الوطن ومالكها الحقيقي.
وإذا استمر هذا النهج الاستعلائي الذي يوجه سهامه لصدور البسطاء، فإن التاريخ لن يرحم من نصبوا أنفسهم قضاة على آلام الناس، بينما أيديهم تغوص في ثرواتهم. ارفعوا أيديكم ووصايتكم عن أعياد المصريين وقوتهم، والتفتوا إلى دوركم الحقيقي في بناء اقتصاد منتج لا اقتصاد يقوم على الجباية والمن، والثقة هي رأس مال البنوك الوحيد الذي لا يمكن تعويضه. إن الخروج من أزماتنا الاقتصادية لا يبدأ بمراقبة اللقمة الحاف في أيدي الغلابة، ولا بجلدهم بخطابات التحديث الرقمي في ظل بنية تحتية مأزومة. بل يبدأ بتواضع المؤسسات، واعترافها بأنها في خدمة المواطن، وأن أموال هذا الشعب هي أمانة تُدار بحكمة، لا أرقامًا تُستخدم في منصات استعراضية لتوبيخ الفقراء على محاولتهم البقاء على قيد الحياة.



