حين تستيقظ السواطير، يرتدي سوق السيدة زينب ثوب العيد. قبل عيد الأضحى، يتحول أعرق أسواق القاهرة إلى ورشة عمل مفتوحة على مدار الساعة، حيث الجزارون والباعة والحرفيون في مشهد لا يتكرر إلا مرة في العام.
أصوات السوق قبل شروق الشمس
قبل أن تشرق الشمس على سوق السيدة زينب، تكون الأصوات قد سبقتها: صرير حجارة السنّ الدوارة، وقرقعة السواطير المعلقة في مهب النسيم، ونداءات الباعة التي تتشابك في هواء الصباح الأول. هذا السوق العتيق الذي عاش قرونًا على إيقاع القاهرة اليومي، يبلغ ذروته مرة واحدة في العام: حين يقترب عيد الأضحى المبارك.
مسرح حي للحرفة والتراث
ما إن تدلف إلى أزقته حتى تدرك أنك في قلب حدث شعبي من طراز خاص. ليس مجرد سوق يبيع ويشتري، بل مسرح حي تتداخل فيه الحرفة والتراث والاستعداد لمناسبة دينية كبرى. الجزارون قادمون من أحياء القاهرة بكاملها، والباعة يعرضون أجود ما عندهم، والحرفيون لا يرفعون أيديهم عن أدواتهم منذ الفجر حتى يسقط الليل.
رفوف لا تنام.. عرض أشبه بمتحف للأدوات
أول ما يستقبلك في السوق تلك الرفوف الضخمة المغطاة من أسفلها إلى أعلاها بعشرات السكاكين المرتبة بعناية، تتدرج ألوان مقابضها من الأصفر إلى البرتقالي فالأحمر والأزرق والأسود والخشب الطبيعي، في مشهد بصري يجمع بين الحرفية والجمال. أعلى الرفوف سواطير ضخمة معلقة كالتحف، وأمامها أُخرى أصغر تتدلى على الحوامل، وعلى الجانبين حزم من شحاذات السكاكين وقفازات حماية معدنية مضفورة.
الأسعار واضحة ومنطقية: السكينة الصغيرة بمئة جنيه تناسب الاستخدام المنزلي، أما الكبيرة الاحترافية فبثلاثمئة جنيه. وللسواطير ثلاثة أحجام تناسب كل جزار: الصغير بثلاثمئة جنيه للأعمال الخفيفة، والمتوسط بثلاثمئة وخمسين وهو الأكثر مبيعًا لأنه يوازن بين الثقل والسرعة، والكبير بأربعمئة جنيه المفضَّل لدى محترفي الجزارة الذين يتعاملون مع ذبائح كاملة.
حجر السنّ.. عشرة جنيهات تعيد السكين إلى شبابه
لكن النجم الأول في هذا الموسم ليس السكين الجديدة، بل حجر السنّ الدوار. أمام كل محل سنّ تجد طابورًا من الناس يحملون سكاكينهم القديمة في أكياس أو لفافات قماش. الحرفي يجلس أمام حجره الضخم الدوار، يُمرر الماء عليه بيد ويُمسك السكين بالأخرى بزاوية محددة لا يعرفها إلا من نشأ على هذه الحرفة. شرارات خفيفة تتطاير، وفي دقائق تخرج السكينة وكأنها خرجت من المصنع للتو.
الأمر لا يكلف أكثر من عشرة جنيهات للسكينة الواحدة، وهو سعر في متناول الجميع ظل صامدًا رغم موجات الغلاء. يقول أحد الحرفيين وهو لا يرفع عينيه عن عمله: "من الصبح وأنا شاغل. الناس بتيجي بسكاكين لم تستخدم من سنة، والبعض بيجيب عشر سكاكين مرة وحدة". عشرة جنيهات مقابل يد خبيرة وعين متمرسة وسنوات من الخبرة المتوارثة جيلًا بعد جيل.
الحزام والصنارة.. عُدة لا يكتمل العيد بدونهما
لا تكتمل جولة في سوق السيدة زينب قبل العيد دون أن تصطدم بأكوام الحزام الجلدي المعروض على الحوامل. شرائح من الجلد الأسود والبني بحواف مسننة بدقة وثقوب محكمة الصنع، تُستخدم لتثبيت الذبيحة وربطها قبل التعليق. قطعة الجزام الجاهزة بثلاثمئة جنيه، وهو سعر يراه الجزارون مناسبًا لأداة تدوم سنوات إذا أُحسن استخدامها.
وإلى جانبه تأتي صنارة مجوز الضاني بثلاثمئة جنيه أيضًا، وهي أداة التعليق الأساسية التي لا يستغني عنها جزار محترف. أما الشناكل والخطاطيف الستانلس ستيل المعروضة بعشرات الأحجام المختلفة، فتتدلى من الحوامل المعدنية في مشهد يوحي بحجم الطلب الهائل المتوقع في أيام العيد.
الأورمة الخشبية.. تاريخ يُقاس بالكيلو
ومن أكثر مشاهد السوق أصالةً وطرافةً في آنٍ واحد، تلك الكتل الخشبية الضخمة المقطوعة من جذوع الأشجار والمعروضة أمام المحلات كأنها تماثيل بدائية. حلقاتها الداخلية تحكي عمر الشجرة، وملمسها الخشن يُنبئ بصلابة ستتحمل ضربات السواطير لسنوات. تُباع هذه الأورمة بالكيلو بخمسين جنيهًا، وكل قطعة تزن بين عشرة وثلاثين كيلوغرامًا بحسب حجمها، ما يجعل ثمن القطعة الكاملة في متناول أي جزار أو صاحب محل.
"الأورمة الكويسة مش بتتكلم، هي اللي بتشتغل وبتصمت"، يقول أحد الباعة ضاحكًا وهو يربت على إحداها. وهو محق؛ فهذه القطع الصامتة هي ما يتكئ عليه الجزار في أصعب لحظات عمله، وبدونها لا يكتمل أي محل جزارة محترف.
إقبال غير مسبوق والسوق يسابق الوقت
ما يُميز هذا العام بشكل لافت هو حجم الإقبال الكبير الذي رصدته كاميراتنا. ويؤكد أصحاب المحلات أن الجزارين بدأوا يأتون مبكرًا أكثر من المعتاد، وأن الطلب على الأدوات الاحترافية ارتفع بصورة ملحوظة. ليس الجزارون وحدهم، بل تأتي أيضًا ربات البيوت اللواتي يُفضّلن تجهيز سكاكينهن بأنفسهن بدلًا من شراء الجديد، وشباب يُجهّزون بيوتهم الجديدة لأول عيد.
السوق بكامله يعمل كآلة واحدة منسجمة: البائع يعرض، والحرفي يسنّ، والزبون يختار، والصفقات تُبرم بلا توقف. وفوق كل هذا، وكأن السوق يحتفي بالموسم على طريقته الخاصة، تتدلى خصلات الريش الأبيض والوردي من الحوامل كأعلام بهجة تُعلن للعالم أن العيد قادم.
سوق السيدة زينب ليس مجرد مكان لبيع السكاكين والسواطير. هو فصل من فصول حياة القاهرة يتجدد كل عام، يحمل في طياته رائحة التراث وصخب الحياة اليومية وحرارة استعداد شعب لمناسبته الدينية الكبرى. وحين تغادره، تحمل معك شيئًا أكثر من مجرد صور وأرقام، بل تحمل انطباعًا بأن ثمة أشياء في هذه المدينة لن تتغير، مهما تغير الزمن.



