تحذير رقيق من الأموال الساخنة: خروج 1.2 مليار دولار من السوق المصرية
خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت السوق المصرية خروج أموال ساخنة بقيمة تقدر بنحو 1.2 مليار دولار، وذلك في أعقاب التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تهدد بنشوب حرب جديدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم أن هذا المبلغ لا يمثل نسبة كبيرة مقارنة باحتياطيات النقد الأجنبي التي تجاوزت الخمسين مليار دولار، إلا أنه يعد تحذيراً رقيقاً وواضحاً من المخاطر الكامنة في الاعتماد على الأموال الساخنة لسد الفجوة الدولارية المزمنة التي تعاني منها البلاد.
طبيعة الأموال الساخنة ومخاطرها
تختلف الأموال الساخنة جوهرياً عن الاستثمارات التقليدية، فهي تتميز بطبيعتها غير الدائمة وغير المستقرة، حيث تتحرك بشكل كبير استجابة للعوامل السياسية والاقتصادية العالمية. هذه الأموال مؤقتة ولا يمكن الاعتماد عليها كوسيلة طويلة الأجل لتدبير النقد الأجنبي، مما يجعلها رهاناً غير مأمون العواقب على الاستقرار المالي.
في السابق، أقبلت هذه الأموال على السوق المصرية بحثاً عن أرباح وفيرة وسريعة، خاصة عندما كانت أسعار الفائدة المحلية أعلى بكثير من نظيراتها في الأسواق الأمريكية والأوروبية. ومع ذلك، عندما بدأ البنك الفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة لاحتواء التضخم، هجرت الأموال الساخنة السوق المصرية بشكل مفاجئ وجماعي.
تداعيات سابقة ودرس مستمر
قبل أربع سنوات، خرج من الأسواق المصرية نحو عشرين مليار دولار من الأموال الساخنة في غضون أيام قليلة، مما شكل ضغطاً هائلاً على موارد النقد الأجنبي وأدى إلى انخفاض حاد في قيمة الجنيه. تبع ذلك موجات تضخم وغلاء واسعة النطاق، لا تزال قطاعات كبيرة من المصريين تعاني من آثارها حتى اليوم.
على الرغم من أن وضع موارد النقد الأجنبي في مصر أفضل حالياً، إلا أن الحادثة الأخيرة لخروج 1.2 مليار دولار تأتي في وقتها المناسب لتذكرنا بالدرس القاسي. فهي تحمل تحذيراً رقيقاً لكنه قوي: يجب ألا نعاود الرهان على الأموال الساخنة لسد الفجوة الدولارية، بل يجب السعي لتحقيق ذلك من خلال زيادة موارد النقد الأجنبي وتخفيض الإنفاق منه.
ضرورة تبني استراتيجيات بديلة
يتطلب الأمر تبني سياسات اقتصادية أكثر استقراراً واعتماداً على الاستثمارات طويلة الأجل، بدلاً من الاعتماد على التدفقات المالية المؤقتة. زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وترشيد الإنفاق بالعملات الأجنبية هي خطوات حيوية لتعزيز الاحتياطيات النقدية وضمان استقرار الجنيه على المدى الطويل.
في النهاية، يبقى التحذير الرقيق من الأموال الساخنة بمثابة ناقوس خطر يدعو إلى الحذر والتفكير الاستراتيجي، لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي لمصر في وجه التحديات الإقليمية والعالمية.