في مثل هذا اليوم من عام 1826، سجلت الذاكرة السياسية والعسكرية للإمبراطورية العثمانية واحدة من أعنف وأخطر صفحاتها، حين تمكنت القوات الموالية للسلطان محمود الثاني من القضاء التام على تمرد قوات الإنكشارية، التي كانت درة تاج القوات العثمانية وصانعة أمجادها في العصر الذهبي، بعد أن تحولت إلى عبء سياسي وعسكري ثقيل يهدد بقاء الدولة نفسها.
ما قبل المذبحة: قصة تغول الإنكشارية على قرار إسطنبول
تأسست الجذور الأولى لهذا الصدام الدموي من واقع التحلل الذي أصاب العقيدة العسكرية لقوات الإنكشارية على مدار قرنين من الزمان؛ فبعد أن كانوا القوة الضاربة التي دكت أسوار أوروبا وفتحت القسطنطينية، تحولوا تدريجياً إلى طبقة سياسية واقتصادية ممتازة تمارس التجارة والسياسة وتفرض الإتاوات. وتكشف الكواليس التاريخية للآستانة أن الإنكشارية استمرؤوا لعبة عزل السلاطين وقتلهم؛ إذ كانت مجرد إشارة منهم تعني إعلان التمرد وإسقاط الحكومة، وهو المستنقع الذي دفع ثمنه السلطان سليم الثالث حياته عندما حاول تحديث الجيش، مما خلق حالة من الغليان المكتوم والمرارة لدى الشارع العثماني والسلطان الشاب محمود الثاني الذي أدرك أن العرش لا يتسع لقطبين.
قصة تصفية الإنكشارية
المعركة الحابسة للأنفاس والتي سميت في التاريخ العثماني باسم الواقعة الخيرية، هندسها السلطان محمود الثاني بصبر وتخطيط استخباراتي طويل؛ حيث بدأ في تشكيل قوات موازية مدربة على النمط الأوروبي الحديث تحت مسمى جنود الجهاد المعلمين. وحين شعر الإنكشارية بالخطر أعلنوا التمرد في ميادين إسطنبول في يونيو 1826، وهنا كان فخ السلطان قد اكتمل؛ ودعا على الفور الشعب والعلماء للالتفاف حول الخلافة، وضرب حصاراً محكماً على ثكنات الإنكشارية في ميدان اللحم، وأصدر أوامره لرجال المدفعية بحصد التمرد دون رحمة، لتنهال القذائف على الثكنات وتحولها إلى ركام وتفحم آلاف الجنود داخلها، بينما تولت المشانق تصفية من هرب منهم في الشوارع.
فاتورة تصفية الإنكشارية
ترتب على إبادة الإنكشارية نتائج جيوستراتيجية عجلت بتغيير خارطة الدولة العثمانية بالكامل، حيث أصدر السلطان محمود الثاني مرسوماً رسمياً بإلغاء اسم الإنكشارية من السجلات العسكرية للأبد، وبدأ فوراً في بناء الجيش العثماني الحديث الذي خاض به مواجهاته اللاحقة. ورغم أن هذه التصفية الدموية أضعفت القوة العسكرية للدولة مؤقتاً في مواجهة الأطماع الأوروبية، إلا أنها كانت الخطوة الحتمية التي فتحت الباب أمام إعادة صياغة الدولة على أسس مدنية وعسكرية حديثة.



