لم تكن المواجهة بين جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسة القضاء خلال عام حكم الرئيس المعزول محمد مرسي مجرد خلاف سياسي أو نزاع قانوني عابر، بل مثلت واحدة من أخطر معارك النفوذ التي شهدتها الدولة المصرية الحديثة، بعدما وجدت الجماعة نفسها في مواجهة مباشرة مع إحدى أعرق مؤسسات الدولة وأكثرها استقلالًا وتأثيرًا.
بداية التوتر بين الإخوان والقضاء
منذ وصول الإخوان إلى السلطة في 2012، بدأت مؤشرات التوتر تتصاعد بين الجماعة والسلطة القضائية، في ظل اتهامات متزايدة بمحاولة إحكام السيطرة على مفاصل الدولة وإعادة هندسة مؤسساتها بما يتوافق مع مشروع «التمكين» الذي سعت الإخوان إلى تنفيذه عقب وصولها للحكم.
الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012
جاءت الشرارة الأبرز للأزمة مع الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، والذي منح الرئيس المعزول صلاحيات استثنائية واسعة، وحصن قراراته من رقابة القضاء، في خطوة اعتبرتها الأوساط القانونية والقضائية انقلابًا على مبدأ الفصل بين السلطات وضربة مباشرة لاستقلال القضاء. وأثار القرار موجة غضب غير مسبوقة داخل الهيئات القضائية، إذ أعلنت أندية القضاة رفضها القاطع للإعلان الدستوري، بينما دخلت قطاعات واسعة من القضاة في اعتصامات ووقفات احتجاجية دفاعًا عن استقلال السلطة القضائية، في مشهد كشف حجم الاحتقان بين الجماعة ومؤسسات الدولة.
محاولات تعديل قانون السلطة القضائية
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الإعلان الدستوري، بل تصاعدت مع محاولات تمرير تعديلات على قانون السلطة القضائية تضمنت خفض سن تقاعد القضاة، وهو ما اعتبره كثير من رجال القضاء محاولة لإقصاء مئات القضاة دفعة واحدة وإفساح المجال أمام إعادة تشكيل المؤسسة القضائية وفق اعتبارات سياسية وتنظيمية.
حصار المحكمة الدستورية العليا
كما شهدت تلك الفترة حصار عناصر محسوبة على التيار الإسلامي لمبنى المحكمة الدستورية العليا، في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل، ما أدى إلى تعطيل انعقاد المحكمة ومنعها من نظر قضايا مصيرية كانت تتعلق بشرعية بعض المؤسسات والقرارات السياسية آنذاك، الأمر الذي اعتبر سابقة خطيرة في تاريخ الدولة المصرية. ومع اتساع دائرة الخلاف، تحولت العلاقة بين الرئاسة والقضاء إلى حالة من الصدام المفتوح، حيث تبادلت الأطراف الاتهامات، بينما تصاعدت المخاوف من دخول البلاد في أزمة دستورية تهدد توازن السلطات وتقوض أسس الدولة القانونية.
رؤية الإخوان للقضاء
في هذا السياق، قال طارق البشبيشي، القيادي المنشق عن تنظيم الإخوان والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان كانت تنظر إلى القضاء باعتباره أحد أبرز العوائق أمام مشروعها للسيطرة على مؤسسات الدولة، ولذلك سعت إلى تقليص نفوذه وإعادة تشكيل بنيته بما يحقق مصالحها السياسية والتنظيمية.
وأضاف البشبيشي، في تصريح لـ«الوطن»، أن الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012 كشف بوضوح طبيعة العلاقة التي أرادت جماعة الإخوان فرضها على مؤسسات الدولة، حيث حاولت تحصين قراراتها من الرقابة القضائية وتجاوز الضوابط الدستورية التي تكفل التوازن بين السلطات.
وأوضح أن أزمة القضاء لم تكن منفصلة عن مشروع أوسع استهدف مؤسسات الدولة الوطنية، مشيرًا إلى أن رفض القضاة لتلك المحاولات أسهم في إفشال مخططات الجماعة وأظهر حجم التناقض بين خطابها السياسي وممارساتها على أرض الواقع. وأكد أن الصدام مع القضاء كان أحد الأسباب الرئيسية التي عمقت حالة الرفض الشعبي لحكم الإخوان، خاصة بعدما بدا واضحًا أن الجماعة تخوض معارك متزامنة مع مؤسسات الدولة المختلفة بدلًا من العمل على تحقيق التوافق الوطني وإدارة المرحلة الانتقالية.
نتائج المواجهة
وأشار إلى أن معركة الإخوان مع القضاء شكَّلت نقطة فاصلة في مسار حكم الجماعة، إذ كشفت مبكرًا حجم التوتر بين مشروعها السياسي ومؤسسات الدولة الراسخة، وأسهمت في تعميق الأزمة السياسية التي انتهت بخروج ملايين المصريين في ثورة 30 يونيو 2013، لتسدل الستار على واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الجمهورية.



