تشهد أزمة العدادات الكودية في مصر تطورًا متسارعًا خلال الفترة الأخيرة، مع استمرار شكاوى المواطنين من ارتفاع الفواتير وتداخل أوضاع العقارات بين المرخص وغير المرخص، في الوقت الذي تتحرك فيه الدولة لإعادة تنظيم هذا الملف بشكل شامل يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والانضباط الفني داخل منظومة الكهرباء.
العدادات الكودية
في هذا السياق، أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن العدادات الكودية تمثل حلًا مؤقتًا جرى اللجوء إليه في حالات المباني المخالفة أو غير المقننة، التي تم توصيل الكهرباء إليها في فترات سابقة بشكل غير قانوني، موضحًا أن الأصل في هذه الحالات كان الإزالة، إلا أن الدولة اتجهت إلى مراعاة الأبعاد الاجتماعية عبر السماح بتركيب عدادات كودية لحين استكمال إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع. وشدد على أن المواطنين سيستفيدون بكامل مزايا الدعم ونظام المحاسبة الطبيعي فور الانتهاء من التقنين، بينما تستمر المحاسبة بسعر التكلفة للحالات غير المقننة.
ومن جانبها، أوضحت وزارة الكهرباء والشركة القابضة لكهرباء مصر أن منظومة التسعير الجديدة الخاصة بالعدادات الكودية ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من أبريل 2026، مع التأكيد على عدم تطبيق أي زيادات بأثر رجعي، واعتماد سعر موحد للاستهلاك بدلًا من نظام الشرائح المدعومة المطبق على العدادات القانونية، في إطار خطة تستهدف ضبط الاستهلاك وتحسين كفاءة التحصيل وتقليل الفاقد.
وفي إطار متصل، بدأت الوزارة مراجعة شاملة لأوضاع العقارات التي تقدم أصحابها بشكاوى رسمية، خاصة تلك المرخصة قانونيًا والتي تم تركيب عدادات كودية بها رغم استيفائها المستندات القانونية، حيث تم تشكيل لجان فنية وإدارية لإعادة تقييم الحالات، تمهيدًا لتحويل العدادات الكودية داخل العقارات القانونية إلى عدادات اسمية رسمية مرتبطة ببيانات الملاك.
وأكدت مصادر بوزارة الكهرباء أن الهدف من هذه الإجراءات هو تحقيق العدالة بين المشتركين، وضمان عدم تحميل المواطنين أعباء مالية غير مبررة، مع تصحيح أوضاع العقارات المسجلة قانونيًا وإدراجها ضمن النظام الطبيعي للشرائح الكهربائية، بدلًا من خضوعها للتسعيرة الموحدة المرتفعة المخصصة للحالات غير المقننة. وأوضحت المصادر أن الوزارة طالبت المواطنين الراغبين في تحويل العدادات الكودية إلى عدادات قانونية بتجهيز مجموعة من المستندات الأساسية، تشمل بطاقة الرقم القومي سارية، وإثبات صفة مقدم الطلب، ورخصة بناء العقار أو شهادة التصالح النهائية، بالإضافة إلى تقديم طلب رسمي للمعاينة، على أن يتم بعد ذلك فحص الملف ميدانيًا واستكمال إجراءات التحويل وتسجيل العداد باسم المالك داخل منظومة شركة الكهرباء.
وشهدت مراكز خدمة العملاء خلال الفترة الماضية تزايدًا ملحوظًا في الشكاوى، خاصة من أصحاب العقارات المرخصة الذين فوجئوا باستمرار معاملتهم بنظام العداد الكودي، وهو ما دفع الوزارة إلى تسريع خطوات المراجعة وإعادة تصنيف الحالات بما يضمن الفصل بين المخالفات والعقارات القانونية، وتحقيق شفافية أكبر في إدارة ملف استهلاك الكهرباء داخل الدولة.
حالة من الارتباك بين المواطنين
يعاني بعض المواطنين من حالة من الارتباك بسبب مطالبتهم بإجراءات تصالح على منازلهم، رغم أن هذه العقارات مرخصة قانونيًا بالكامل، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول آلية ربط الترخيص بوجود العدادات الكودية القديمة التي تم تركيبها في فترات سابقة داخل بعض المناطق. في هذا السياق، قال فؤاد مندور، أحد المواطنين المتضررين، إنه يمتلك منزلًا ورثه عن والده، ويحمل ترخيصًا رسميًا صادرًا عام 2014، موضحًا أنه يحتفظ بكافة المستندات التي تثبت قانونية البناء وعدم وجود أي مخالفات على العقار منذ إنشائه. وأضاف أنه يمتلك كذلك عدادًا كوديًا تم تركيبه عام 2010، في وقت كانت تُستخدم فيه هذه العدادات بشكل واسع داخل المناطق العشوائية وغير المخططة، باعتبارها إجراءً مؤقتًا لتوصيل الخدمات الأساسية للمواطنين، مشيرًا إلى أن هذا العداد أصبح لاحقًا سببًا في مطالبته حاليًا بالتقدم بطلب تصالح وسداد رسوم مالية. وأوضح أن هذه المطالبة وضعتّه في موقف غير واضح، خاصة أن المنزل حاصل على ترخيص رسمي ولا توجد به أي مخالفات بناء، لافتًا إلى أنه حاول الاستفسار أكثر من مرة عن الأساس القانوني لهذه الإجراءات دون الحصول على رد حاسم حتى الآن. واختتم حديثه بالتأكيد على أنه فوجئ بهذه المطالبات رغم قانونية وضع العقار، مطالبًا بضرورة مراجعة الحالات المشابهة وتوضيح الإجراءات بشكل دقيق، حتى لا يتحمل المواطنون أعباء مالية أو إدارية دون وجود مخالفة حقيقية تستوجب ذلك.
ومن جانب آخر، قال النائب محمد عطية الفيومي أن الإطار القانوني المنظم للعدادات الكودية يحدد استخدامها في العقارات المخالفة التي تقدمت بطلبات تصالح، حيث تستمر هذه العدادات في العمل بشكل مؤقت إلى حين الانتهاء من إجراءات التقنين واستكمال ملف التصالح بالكامل، ليتم بعدها تعديل الوضع رسميًا من خلال شركات توزيع الكهرباء وفقًا للضوابط المعتمدة. وأضاف، في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن قرار إلغاء نظام الشرائح في المحاسبة على هذه العدادات والاعتماد على سعر موحد ساهم في ارتفاع قيمة فواتير الكهرباء بشكل ملحوظ، رغم التزام العديد من المواطنين بالتقدم بطلبات التصالح وسداد الرسوم المقررة، إلا أنهم لم يحصلوا على المستندات النهائية بسبب تأخر الإجراءات الإدارية وتعقد بعض الخطوات التنظيمية. وأشار الفيومي إلى أن نظام الشرائح كان يحقق قدرًا من التوازن الاجتماعي في احتساب الاستهلاك، إذ كان يراعي الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، لافتًا إلى أن التغييرات الأخيرة فرضت أعباء إضافية على هذه الشرائح، مع التأكيد على ضرورة وضع آليات أكثر وضوحًا لضمان عدم الإضرار بالمواطنين خلال فترات التقنين.



