أشعل قرار إداري جديد داخل الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية حالة واسعة من الغضب والجدل في الأوساط الثقافية والنشر المصرية، بعدما اعتبره ناشرون ومثقفون سابقة خطيرة تمس حقوق الملكية الفكرية، وتفتح الباب أمام مخاوف تتعلق بأمان المصنفات الأدبية والفكرية قبل نشرها.
تفاصيل الأزمة
بدأت الأزمة مع تداول ناشرين تعليمات صادرة عن إدارة الإيداع بدار الكتب، تلزم المتقدمين للحصول على رقم إيداع بتسليم نسخة إلكترونية بصيغة وورد من الأعمال المقدمة، إلى جانب نسخة أخرى بعد التنسيق النهائي. هذا الإجراء أثار موجة اعتراضات واسعة، حيث اعتبر أصحابها أن الأمر يتجاوز حدود الإجراءات الإدارية المعتادة، ويطرح تساؤلات مقلقة حول أسباب الاحتفاظ بنسخ قابلة للتعديل من الكتب والمؤلفات.
وصف عدد من الناشرين الإجراء بأنه اختراق واضح لحقوق المؤلف، مؤكدين أن دور دار الكتب تاريخيًا يقتصر على منح رقم الإيداع وحفظ النسخ القانونية، لا الاحتفاظ بملفات تحريرية مفتوحة يمكن نسخها أو تداولها أو العبث بها. وتساءل البعض عبر منصات التواصل الاجتماعي وجروبات اتحاد الناشرين: لماذا تطلب المؤسسة نسخة وورد تحديدًا؟ وما الضمانات الكافية لحماية هذه الملفات من التسريب أو الاستغلال؟
موقف اتحاد الناشرين
مع تصاعد الغضب، دخل اتحاد الناشرين المصريين على خط الأزمة، حيث أصدر الدكتور فريد زهران بيانًا أكد فيه أن الاتحاد لم يكن على علم مسبق بالإجراء، وأنه تحرك فور تلقي الشكاوى للتواصل مع الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، وكذلك رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، لمعرفة ملابسات القرار ونتائج تطبيقه. وأوضح زهران أن الاتحاد سيتابع الأمر بشكل مباشر، وسيطلع الناشرين على نتائج الاتصالات الرسمية أولًا بأول، في محاولة لاحتواء حالة القلق المتزايدة داخل سوق النشر المصري، الذي يشهد بالفعل تحديات اقتصادية ومهنية معقدة.
توضيح دار الكتب
في المقابل، سارعت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية إلى إصدار بيان توضيحي بشأن القرار رقم 198 لسنة 2026، مؤكدة أن ما أثير حول الأمر جرى تفسيره بصورة غير دقيقة، وأن الهدف من التعديل يرتبط بخطط التحول الرقمي والحوكمة وتطوير منظومة الإيداع الإلكتروني. وأكدت الهيئة أن إيداع نسخة رقمية من المصنفات ليس أمرًا جديدًا، بل معمول به منذ عام 2017 وفق القرار رقم 363، مشيرة إلى أن التعديل الأخير اقتصر على تسهيل وسائل تسليم النسخة الإلكترونية، بحيث تصبح عبر الموقع الإلكتروني أو البريد الإلكتروني بدلًا من الأسطوانات المدمجة التقليدية. وشددت دار الكتب على أنها الجهة الأكثر حرصًا على حماية الملكية الفكرية، بحكم كونها المكتبة الوطنية الحافظة للإنتاج الفكري المصري، مؤكدة التزامها الكامل بحماية النسخ المودعة ضد أي انتهاك أو عبث.
استمرار الجدل
لكن رغم البيان التوضيحي، لم تهدأ حالة الجدل، إذ يرى كثير من الناشرين أن الأزمة لا تتعلق فقط بآليات التسليم، بل بمسألة الثقة والضمانات القانونية والتقنية المتعلقة بحفظ المحتوى الرقمي، خاصة في ظل تصاعد مخاوف القرصنة الإلكترونية وتسريب المخطوطات قبل طرحها بالأسواق. ويرى متخصصون أن الأزمة كشفت فجوة واضحة في التواصل بين المؤسسات الثقافية الرسمية والعاملين في صناعة النشر، وأن التحول الرقمي، رغم ضرورته، يحتاج إلى حوار شفاف يضمن حماية حقوق المبدعين، ويمنع تحول التطوير الإداري إلى مصدر جديد للتوتر داخل الوسط الثقافي.
وبين تمسك دار الكتب بخطتها للتحديث الرقمي، وتمسك الناشرين بحقهم في حماية أعمالهم، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم يتم الوصول إلى صيغة توافقية تطمئن أصحاب دور النشر والمؤلفين، وتحافظ في الوقت نفسه على مسار التطوير المؤسسي الذي تتبناه الدولة.



