لم تعد أزمة الاتصالات في مصر مجرد شكوى من ضعف الشبكة أو سرعة الإنترنت، بل تحولت إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطن الذي يدفع أكثر كل عدة أشهر، بينما الخدمة لا تتحسن بالقدر الذي يبرر هذه الزيادات. فالهاتف والإنترنت لم يعودا رفاهية، بل ضرورة للحياة والعمل والتعليم والخدمات الحكومية، ومع ذلك يجد المواطن نفسه محاصرًا داخل سوق يشعر فيه أن كل الشركات تقدم الخدمة نفسها تقريبًا بالأسعار نفسها، وكأن هناك اتفاقًا غير مكتوب على تحميل المستهلك دائمًا فاتورة الأزمات.
ممارسات احتقارية بحق المواطن
وصف الدكتور حسن الصادي، الخبير الاقتصادي، ما يحدث بأنه "ممارسات احتقارية" بحق المواطن، لأن العميل إذا ترك شركة غاضبًا وجد الأخرى في انتظاره بالباقات نفسها والأسعار نفسها تقريبًا، حتى أصبح المصري يشعر بالعجز الكامل أمام شركات تحقق أرباحًا ضخمة وتنفق مليارات الجنيهات على الإعلانات والحملات الفنية والرياضية، بينما يعاني المستخدم من ضعف الخدمة وسرعة نفاد الباقات.
الإعلانات المليارية ترفع التكاليف
المفارقة أن هذه الحملات الإعلانية المليارية تُحمَّل ضمن تكاليف التشغيل، ما يقلل الأرباح الخاضعة للضرائب، فيتحمل المواطن العبء مرتين؛ مرة عندما يدفع تكلفة الباقات المرتفعة، ومرة عندما تتراجع الحصيلة الضريبية التي كان يمكن أن تنعكس على الخدمات العامة.
مقارنة دولية: أسعار أقل وجودة أفضل
وفي المقابل، تشير تقارير دولية إلى أن دولًا عديدة مثل الهند وإندونيسيا تقدم خدمات إنترنت بأسعار أقل كثيرًا مقارنة بمتوسط الدخول، مع منافسة حقيقية وجودة أفضل نسبيًا. بينما في مصر تتكرر الزيادات قبل أن يشعر المواطن بتحسن حقيقي في الخدمة.
أسئلة أمام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
وهنا تبرز أسئلة مهمة أمام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات: لماذا تُوافق على زيادات الأسعار قبل تحسين جودة الخدمة؟ وأين معايير الشفافية التي تعلن بوضوح متوسط السرعات الحقيقية ونسب الأعطال وشكاوى العملاء؟ وهل أصبحت حماية أرباح الشركات أولوية أكبر من حماية المواطن الذي يواجه أصلًا موجات متتالية من الغلاء؟
المواطن في دائرة مغلقة
إن المواطن المصري لم يعد يحتمل المزيد من الضغوط، والرحمة به لم تعد مجرد مطلب إنساني، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية، فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد الأبراج والإعلانات، بل بقدرة المواطن البسيط على الحصول على خدمة عادلة بسعر عادل، دون أن يشعر أنه يدور في دائرة جهنمية يدفع ثمنها وحده كل مرة.



