لا توجد حكومة في العالم تعاقب مخالفي البناء بأغرب مما تفعله الحكومة المصرية، بأسلوبها المفضل وهو الجباية وتقليب جيوب المواطنين والتنكيد عليهم في الصيف، حيث يشوون في الحر ويلسعون بنار فاتورة الكهرباء الجنونية، فلا يستطيعون تشغيل التكييفات أو حتى المراوح، ويقتصرون على إضاءة عدد من اللمبات ليلاً.
تصريحات رئيس الحكومة
الأغرب أن يخرج رئيس الحكومة ليعلن أن الإجراء القانوني الصحيح الذي كان يجب اتباعه مع المخالفين هو إزالة العقار المخالف، لكن الدولة راعت البعد الاجتماعي وقدمت حلاً مؤقتاً من خلال العدادات الكودية لحين الانتهاء من إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع. وأضاف أن استمرار الوضع يمنح الدولة الحق في تحصيل مستحقاتها كاملة دون استفادة المخالف من أوجه الدعم المختلفة.
رئيس الحكومة يلوح للمخالفين بورقة الهدم والإزالة ليشعروا أن عقاب العداد الكودي أهون بكثير. لكننا نتوقف عند عبارته "الاستفادة من أوجه الدعم المختلفة"، ونذكره بأن الدولة تحاسب المواطنين اليوم بالسعر العالمي للكهرباء بعد قرارات رفع متتالية للاستهلاك المنزلي والتجاري وصلت إلى سبع مرات منذ أول تعويم للجنيه في نوفمبر 2016، ضمن خطة رفع الدعم التدريجي التي بدأت في 2014، وتحولت هذه الزيادات إلى إجراء شبه سنوي.
تفاعل المواطنين على وسائل التواصل
منذ أول أبريل الماضي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مراثي وبكائيات وشكاوى وتظلمات من العدادات الكودية، وأصبحت الكلمة "تريند".
قانون التصالح: أطول القوانين المؤقتة
الحقيقة أنه لم يحدث في تاريخ القوانين المصرية أن تم إدخال تعديلات على قانون مثلما حدث في قانون التصالح بمخالفات البناء، كما يظل هذا القانون أطول القوانين المؤقتة عمراً. والسبب أنه صدر لتحقيق حصيلة مادية للحكومة، لكن هذه الحصيلة لم تتحقق حتى اليوم ولو بنسبة 50%. من هنا نستطيع أن نفهم دوافع الحكومة في معاقبة الممتنعين عن سداد كامل الرسوم المفروضة عليهم.
فقد رفعت الحكومة شعار "نفع واستنفع"، لكن ما حدث -وهذا هو الأهم في القضية- أنها قررت سريان مبدأ الجباية على غير المخالفين أيضاً، وبطريقة اصطياد كل من يذهب إليها بقدميه لقضاء أي مصلحة، سواء كهرباء أو غاز أو مياه وخلافه.
المشكلة تتجاوز المخالفين
المشكلة لم تعد تتعلق فقط بالمواطنين الممتنعين عن دفع رسوم التصالح في مخالفات البناء، بل تجاوزتهم إلى من ليس لهم علاقة بالمخالفات في الأصل. فجأة أصبحت كثير من عمارات مصر مخالفة، ويتفاجأ المواطن وهو عايش في أمان الله بمصيبة أخرى حلت على رأسه، وهي أنه مطالب بسداد رسوم تصالح تتراوح بين 25 و35 ألف جنيه. وعند السؤال في الحي المختص عن سبب هذه الرسوم، يقولون إن العمارة فيها دور مخالف أو أن الجراج غير مطابق للتصميمات أو أن بها زيادة عدة ملليمترات أو سنتيمترات في المناور أو البروز أو البلكونات أو أي شيء. فما ذنب الساكن في دور غير مخالف فيما ارتكبه المقاول من مخالفات لا تخص شقته؟
سيقولون: كل السكان سيتشاركون في الدفع بشعار "السيئة تعم والحسنة تخص". المهم أنها تخترع لك مخالفة لتقليب جيوبك، حتى أصبح الناس ينصحون بعضهم "لا تذهب للجحيم برجليك".
مثال: هضبة الهرم
أبسط مثال هو منطقة هضبة الهرم التي اعتبرتها الحكومة مخالفة بالكامل لأنها منطقة أثرية، وبالتالي كل سكانها مخالفون ويخضعون لقانون التصالح. استيقظت الحكومة فجأة لتجد 1550 عمارة تم بناؤها في غفلة منها. منطق غريب وعجيب، ورغم أن قانون التصالح صادر منذ سبع سنوات، إلا أنه لا توجد عمارة واحدة فيها نجحت في عمل مصالحة نهائية.
وما يسري على هضبة الأهرام يسري على أحياء بالكامل تقع ضمن ولاية المجلس الأعلى للآثار وتمتد في كل أنحاء مصر، وتواجه صعوبات في التصالح. لا نناقش إشكالية تقاعس المحليات في مواجهة مخالفات المقاولين الذين قاموا بالبناء المخالف، فتلك مصيبة أخرى. الدولة تركت أصل المصيبة وهم حيتان وأباطرة المقاولين الذين ربحوا الملايين بعدما شيدوا العمارات تلو العمارات بأدوارها الزائدة وبروزاتها بالمخالفة للقانون.
جوهر المشكلة
وأتصور أن هذا هو جوهر المشكلة، وعليها تصحيح الوضع ومعاقبة الجاني الأصلي بدلاً من "تلبيس العمة" للمشتري الغلبان الذي دفع دم قلبه في شقة العمر.



