كيف تهدد أزمة مضيق هرمز الغذاء والطاقة والتجارة العالمية؟
في عالم يعتمد على التدفق السريع للسلع والطاقة والمواد الخام، لم تعد الأزمات الاقتصادية مرتبطة فقط بنقص الموارد، بل بقدرة سلاسل الإمداد العالمية على الاستمرار تحت الضغط. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، عاد مضيق هرمز لواجهة المشهد العالمي باعتباره أحد أخطر نقاط الاختناق البحرية التي تهدد استقرار التجارة والطاقة والأسواق الدولية.
اضطراب هرمز يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاستمرار
تقول الدكتورة مها الشيخ، أستاذ سلاسل التوريد واللوجستيات الرقمية، إن العالم يواجه اليوم مرحلة شديدة الحساسية في إدارة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز. وتلفت إلى أن العالم لم يبنِ اقتصاده على الاحتفاظ بالأشياء، بل على افتراض أنها ستستمر بالحركة دائماً، ومضيق هرمز يختبر هذا الافتراض.
وتضيف الشيخ في تصريح خاص لـ«الوطن» أن الاقتصاد العالمي الحديث لم يعد يعتمد على مفهوم المخزون الضخم، وإنما على سرعة الحركة وكفاءة التدفق. وتعمل المصانع والموانئ وشركات النقل وفقاً لجداول زمنية دقيقة للغاية، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية الحساسة ينعكس سريعاً على قطاعات متعددة تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند الغذاء والأسواق الاستهلاكية.
وتوضح أن سلاسل الإمداد العالمية بُنيت خلال العقود الأخيرة على تحقيق أعلى كفاءة تشغيلية ممكنة، عبر تقليل الوقت والتكلفة والهدر. غير أن هذا النموذج جعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات المفاجئة، مشيرة إلى أن العالم بات يعتمد على شبكات مترابطة ومعقدة مرتبطة بعقد لوجستية شديدة الحساسية، كمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في التجارة العالمية.
اضطرابات المضيق تؤدي إلى ما يعرف بـ«الأثر المتسلسل»
وتؤكد أن أي اضطراب طويل في المضيق يؤدي إلى ما يعرف بـ«الأثر المتسلسل»، وهو ما تبدأ فيه الأزمة مثل ما يحدث في قطاع الطاقة، ثم تمتد تدريجياً إلى النقل والصناعة والغذاء والأسعار النهائية للمستهلكين. فالمشكلة الحالية لا تتعلق فقط بتوافر النفط أو السلع، بل بقدرة الأنظمة اللوجستية على نقلها وتأمينها في الوقت المناسب وبتكلفة مقبولة.
وتشير إلى أن الوقت أصبح اليوم جزءاً أساسياً من تكلفة الاقتصاد العالمي، موضحة أن تأخير الشحنات أو ارتفاع تكاليف التأمين وإعادة تسعير المخاطر البحرية ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات عالمياً. وهذا ما يفسر انتقال الأزمات البحرية سريعاً للتضخم وارتفاع تكاليف الغذاء والأسمدة والطاقة.
وتؤكد أن العالم لم يعد قادراً على إدارة الأزمات الاقتصادية بالوسائل التقليدية أو بردود الفعل المتأخرة، لكنه أصبح بحاجة لأدوات متقدمة تعتمد على النمذجة الرقمية والمحاكاة والتوأم الرقمي لسلاسل الإمداد، بهدف استشعار المخاطر مبكراً وبناء سيناريوهات بديلة تضمن استمرار التدفق التجاري تحت الضغط.
الشيخ: التوأم الرقمي لم يعد رفاهية تقنية بل تحول لضرورة تشغيلية
وتضيف أن التوأم الرقمي لم يعد رفاهية تقنية، بل تحول لضرورة تشغيلية، لأنه يسمح ببناء نموذج حي ومتكامل لسلسلة الإمداد يربط بين المخزون والموانئ والطاقة الإنتاجية والموردين والطلب. وهذا يمنح الحكومات والشركات القدرة على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة قبل تفاقم الأزمات.



