خلف أبواب السجون الإسرائيلية، يجد المعتقل الإداري نفسه عالقاً في واقع لا يملك تفسيره، ولا نهاية واضحة له، فقط قرار يُقيِّده ويُبقيه في دائرة من الغموض. يُعد هذا النوع من الاعتقال من أكثر السياسات إثارة للجدل في حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، لما ينطوي عليه من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية معقَّدة.
يقوم هذا الإجراء على احتجاز الأفراد دون توجيه تهمة رسمية، أو تقديمهم إلى محاكمة عادلة، استناداً إلى ما يُعرف بـ«الملف السري»، الذي لا يُتاح للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليه. وبموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، يمكن إصدار أمر اعتقال إداري لمدة تصل إلى 6 أشهر، مع إمكانية تجديده مرات غير محدودة، ما يجعل هذا النوع من الاعتقال مفتوحاً زمنياً، ويضع المعتقل في حالة من الغموض الدائم بشأن مصيره.
نادي الأسير: 180 طفلاً معتقلون إدارياً حتى نهاية 2025
بحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن «نادي الأسير الفلسطيني»، فإن هناك نحو 9500 أسير وأسيرة يقبعون في 23 سجناً ومركز توقيف وتحقيق إسرائيلي، بينهم 73 أسيرة يقبع غالبيتهن في سجن «الدامون»، و3442 معتقلاً إدارياً، و115 أسيراً صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد، و350 طفلاً وقاصراً، موزعين على سجون «عوفر، ومجدو، والدامون».
مركز «عدالة»: تصاعُد غير مسبوق في استخدامه بحق أبناء «عرب 48»
كشف تقرير حقوقي، صادر عن مركز «عدالة»، عن تصاعد غير مسبوق في استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين من أبناء «عرب 48»، خصوصاً منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة. استند التقرير إلى معطيات رسمية، أظهرت أنه منذ بداية عام 2020 وحتى 21 مايو 2025، فُتحت 560 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية ضد مواطنين ومقيمين فلسطينيين في أراضي 48 والقدس الشرقية.
بيَّن التقرير أنَّه منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، وحتى 21 مايو 2025، تداولت المحاكم المركزية 297 قضية اعتقال إداري، ما يعكس تصاعداً حاداً في استخدام هذه السياسة. كما أظهرت المعطيات أن المحكمة المركزية في القدس تصدَّرت المحاكم من حيث عدد الملفات، إذ نظرت في 376 ملفاً من أصل 560.
العفو الدولية: يحوِّل العملية القضائية إلى إجراء شكلي
وتشدد المادة 14 من العهد الدولي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في محاكمة علنية تكفل له الدفاع عن نفسه، إلا أن جلسات مراجعة الاعتقال الإداري تُعقد عادةً بشكل مغلق دون حضور الجمهور أو أفراد العائلة. وتؤكد مؤسسات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية أن استخدام الاعتقال الإداري بشكل واسع وممنهج يُعد خرقاً للمعايير الدولية.
ودعت وزارة الخارجية الفلسطينية المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لوقف الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين، مؤكدة أن معاناة الأطفال الفلسطينيين تُشكل الجرح الأعمق في الضمير الإنساني.
أماني سراحنة: 50% من الأسرى معتقلون إدارياً دون تهم
قالت أماني سراحنة، مديرة الإعلام في «نادي الأسير الفلسطيني»، إن مثول المعتقلين الإداريين أمام المحاكم الإسرائيلية يتم في إطار شكلي وصوري، في ظل غياب أي إمكانية حقيقية للتواصل مع المعتقلين. وأوضحت أن المحاكم الإسرائيلية لعبت دوراً مركزياً في تكريس سياسة الاعتقال الإداري، معتبرة إياها أداة أساسية بيد أجهزة المخابرات الإسرائيلية.
وكشفت «سراحنة» عن تسجيل 180 طفلاً معتقلاً إدارياً حتى نهاية عام 2025، واصفة الرقم بأنه سابقة خطيرة في تاريخ هذه السياسة، حيث لم يُسجل سابقاً هذا العدد من الأطفال المحتجزين دون تهم. وأكدت أن جميع مؤسسات الاحتلال متواطئة في ترسيخ هذه السياسة، لافتة إلى وجود تمييز واضح في تطبيقها.
عبدالناصر فروانة: انتهاك فاضح لحقوق الإنسان
قال عبدالناصر فروانة، الباحث المختص في شئون الأسرى، إن استخدام سياسة الاعتقال الإداري يُعد انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان الأساسية، في ظل احتجاز الأفراد دون توجيه تهم واضحة، أو تقديمهم لمحاكمات عادلة. وأوضح أن سجن أي شخص دون توجيه تهمة أو محاكمة يمثل خرقاً خطيراً لحق الفرد في الحماية من الاعتقال التعسفي.
وأضاف أن استمرار سلطات الاحتلال في انتهاج هذه السياسة، رغم وضوح النصوص الدولية التي تُجرِّمها، يعكس غياب موقف دولي جاد، لافتاً إلى أن الصمت الدولي شكَّل عامل تشجيع لمواصلة هذا النهج.



