علي جمعة: تقويم النفس بداية إصلاح العالم في زمن اضطراب المعايير
علي جمعة: تقويم النفس بداية إصلاح العالم

أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن إصلاح النفس وتربيتها يعدان الأساس المتين الذي لا غنى عنه قبل الشروع في إصلاح الآخرين، خاصة في أوقات اضطراب المعايير وكثرة الأهواء. وأوضح أن المؤمن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ثم يتدرج بعد ذلك في خدمة العامة وإصلاحهم على بصيرة ورحمة.

قاعدة شرعية في ترتيب المسؤوليات

وأشار جمعة إلى أن هذا المعنى تدعمه قاعدة شرعية واضحة في ترتيب المسؤوليات، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في باب الصدقة: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ...» [صحيح مسلم]. وأكد أن هذا لا يعني ترك واجب النصيحة والإصلاح أو الانسحاب من خدمة الناس، بل المقصود أن يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه وألا يتصدر لإصلاح غيره وهو غافل عن عيوبه ومسؤوليته الخاصة.

وصية نبوية في زمن الفتن

وأورد جمعة وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أزمنة غلبة الأهواء واضطراب الأحوال: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ». قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» [رواه الترمذي]. وأوضح أن المؤمن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ويتحمل مسؤوليته عن أفعاله، ولا يبرر أخطاءه، ولا يجعل فساد الزمن حجة على ترك إصلاح ذاته وأهل بيته.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دروس من القرآن الكريم

واستشهد جمعة بقصة بني إسرائيل مع سيدنا موسى عليه السلام، حين أشرفوا على دخول الأرض المقدسة، حيث قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 21-26]. وأوضح أن مدة التيه تظهر سنة من سنن التربية، حيث قد يحتاج تغيير النفوس وبناء الأجيال إلى زمن طويل حتى يزول أثر الخوف والضعف، وينشأ جيل أقدر على حمل التكليف. فلم يكن الأمر يأسًا من الإصلاح، بل انتقالًا إلى بناء الإنسان من جديد بالصبر والتربية وطول النفس.

المنهج النبوي في البناء

وأشار جمعة إلى أن هذا المنهج في الصبر والبناء ظهر في السيرة النبوية، حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة وحده في مكة، ثم بدأت الدعوة من بيته بالسيدة خديجة رضي الله عنها، ثم آمن به السابقون الأولون، ومنهم سيدنا علي بن أبي طالب وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنهما، ثم أنذر عشيرته الأقربين، ثم وسع دائرة البلاغ شيئًا فشيئًا. ولم يؤمن به في مكة إلا عدد قليل، ثم لما هاجر إلى المدينة وصبر على بناء الجماعة المؤمنة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، حتى شهد معه حجة الوداع جمع عظيم من المسلمين. واختتم جمعة بقوله: إن المنهج النبوي لا يعلمنا الانسحاب من الإصلاح ولا الانشغال بالناس مع الغفلة عن النفس، بل يعلمنا ترتيب المسؤوليات: أن يبدأ الإنسان بنفسه، ثم بأهله، ثم بدائرته الأقرب، ثم يتسع أثره في الناس على قدر علمه وصدقه وصبره.