علي جمعة: التلبيس آفة من كبائر الآثام ويهدم التفاهم بين البشر
علي جمعة: التلبيس آفة من كبائر الآثام

أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن التلبيس يُعد آفة خطيرة من كبائر الآثام، لأنه يهدم ركيزة أساسية من ركائز الاجتماع البشري، وهي التفاهم القائم على الفهم الصحيح. وأوضح أن الفهم السليم لا بد أن يكون صورة صادقة تعكس الواقع كما هو.

مفهوم التلبيس وأثره

وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه حين يتحول الكلام عند بعض الناس إلى مجرد ظاهرة صوتية، يتحدث فيها صاحبها بكلام يخلط الحق بالباطل، فإن ذلك هو بعينه التلبيس. لأن هذا الأسلوب يعطل الفهم، وبالتالي يعطل التفاهم، ويحول دون البحث عن القواسم المشتركة بين البشر، ويعوق الاتفاق والائتلاف، بل ويدعو إلى النفاق والاختلاف.

الدليل القرآني

واستشهد جمعة بقول الله تعالى في ذم هذا المسلك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71].

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مظاهر التلبيس

وبين أن من مظاهر تلبيس الحق بالباطل: ذكر بعض الحقائق وحذف بعضها الآخر، مما يؤدي إلى وصول المعنى إلى السامع أو المتلقي على غير مراد المتكلم أو الكاتب. وهذا يُعد من الاجتزاء القبيح، وله صور متعددة، ضرب لها العلماء أمثلة، منها:

  • أن يقتصر بعضهم، وهو يتلو القرآن، على وقف قبيح، كما لو قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].
  • أو يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5].

ففي الآية الأولى اكتفى بالنسبة الظاهرية، فحول الكلام إلى نهي عن الصلاة، ولم ينظر إلى النسبة الحقيقية التي تنهى المصلي عن الصلاة مع غياب عقله، والتي عللت ذلك بوجوب علمه بما يقول، حتى تحقق الصلاة غاياتها من كونها صلة بين العبد وربه. وفي الآية الثانية حذف الصفة التي هي قيد في المسألة، ومع كثرة القيود يقل الموجود؛ فالويل إنما هو لمصلٍ خاص يستهين بالصلاة ويتركها ويجعلها في هامش حياته، لا في أساسها ولا في برنامجه اليومي، كما هو شأن أهل الالتزام والمحافظة على الصلاة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

خطورة انتشار التلبيس

وأشار جمعة إلى أن هذا النوع من تداعيات التلبيس هو ما نهينا عنه. وإذا صار التلبيس شهوة وفخرًا وتفاخرًا بين حملة الثقافة والكتاب، دل ذلك على ظاهرة سيئة رديئة، تحتاج من المفكرين جميعًا أن يقفوا بإزائها، وتحتاج من مراكز البحث العلمي والاجتماعي أن يتدخل العلم بمناهجه الرصينة لدراسة هذه الظاهرة قبل أن تنتشر وتستفحل، وقبل أن تصير هي العرف السائد والثقافة العامة؛ بحيث لا ينكر عليها منكر، بل إن من أنكر عليها يكون قد أنكر المعروف لدى هؤلاء، فيتحول المنكر في ذاته إلى معروف صوري، وسيظل ذلك أبدًا منكرًا عند الله وعند عقلاء البشر.