كشفت وكالة بلومبرج الأمريكية اليوم الأحد في تقرير لها أن صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في إيران قد تلقي بظلالها على آفاق الاقتصاد الأمريكي، إلا أن سوق العمل لم يظهر حتى الآن أي مؤشرات واضحة على التأثر. ومن المتوقع أن يظهر تقرير الوظائف لشهر أبريل المقرر صدوره يوم الجمعة المقبل إضافة قوية بنحو 62 ألف وظيفة، إلى جانب تسارع نمو الأجور واستقرار معدل البطالة وارتفاع معدل المشاركة في القوى العاملة.
تفاصيل سوق العمل
تشير تقديرات الاقتصاديين إلى أن نمو وظائف القطاع الخاص قد يكون أقوى من ذلك، وفقًا لمسح أجرته بلومبرج. ويمثل هذا الأداء المتوقع نهاية للتقلبات الحادة في التوظيف خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وعودة إلى وتيرة أفضل من مستويات عام 2025 عندما بلغ متوسط التوظيف الشهري في القطاع الخاص نحو 25 ألف وظيفة فقط. ويعزز هذا التفاؤل بيانات حديثة عالية التواتر، حيث تراجع عدد طلبات إعانة البطالة الجديدة في أواخر أبريل إلى أدنى مستوى له منذ عام 1969، كما أظهر مقياس التوظيف الأسبوعي للقطاع الخاص تحسنًا ملحوظًا.
ورغم ذلك، من المنتظر أن يظهر تقرير آخر يصدر بعد غد الثلاثاء أن الاقتصاد الأمريكي لم يتحرر بالكامل من نمط 'التوظيف المنخفض والتسريح المنخفض' الذي هيمن خلال السنوات الماضية، إذ يتوقع أن تظل فرص العمل في مارس دون تغيير يذكر مقارنة بالشهر السابق.
صمود الاقتصاد الأمريكي
أشارت بلومبرج إيكونوميكس في تقريرها إلى أن الاقتصاد الأمريكي أظهر حتى الآن قدرة على الصمود أمام صدمة النفط، بل إن بعض قطاعاته استفادت من الحرب، حيث يتوقع أن تظهر بيانات التجارة ارتفاع صادرات الطاقة الأمريكية حتى أبريل. ويعود جزء من هذا الصمود إلى استقرار أو حتى تحسن ظروف سوق العمل، مع استمرار الشركات الكبرى في التوظيف مقابل ضعف التوظيف لدى الشركات الصغيرة.
في المقابل، يبدو أن مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي يركزون حاليًا بشكل أكبر على التأثير التضخمي لارتفاع أسعار الطاقة أكثر من تأثيره على النمو، وهو ما انعكس في قرار أسعار الفائدة الأخير. ويراقب المستثمرون عن كثب تصريحات مسؤولي البنك المركزي الأمريكي بحثًا عن مؤشرات بشأن مستوى القلق من ضغوط الأسعار. ومن بين المسؤولين المنتظر أن يدلوا بتصريحات، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز غدًا الاثنين، وألبرتو موسالم من بنك سانت لويس يوم الأربعاء، كما يشارك يوم الجمعة كل من كريستوفر والر وميشيل بومان وماري دالي وأوستان جولسبي في حلقة نقاشية.
تأثيرات عالمية
في كندا، يتوقع أن يظهر تقرير الوظائف لشهر أبريل مكاسب متواضعة مع استقرار معدل البطالة عند 6.7%، وهو أقل من الذروة المسجلة في سبتمبر عند 7.1%. وتتركز مظاهر الضعف في القطاعات المتضررة من الرسوم الجمركية، في حين يسهم تباطؤ نمو السكان في كبح ارتفاع البطالة. ولا يتوقع أن تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى طفرة في التوظيف، إذ تفضل شركات الطاقة توجيه الأرباح إلى المساهمين بدلاً من التوسع في الإنتاج. ومع ذلك، من المرجح أن يسهم ارتفاع النفط في تقليص عجز الميزان التجاري السلعي في مارس مقارنة بعجز فبراير البالغ 5.7 مليار دولار كندي. ومن المنتظر أن يواجه محافظ بنك كندا تيف ماكلم ونائبته كارولين روجرز استجوابات من المشرعين خلال جلسات في أوتاوا.
أما في آسيا، تبدأ البيانات بسلسلة من مؤشرات مديري المشتريات الصناعية عبر المنطقة، إلى جانب تقارير التضخم في دول مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا، والتي ستعطي مؤشرًا مبكرًا على مدى انتقال ارتفاع تكاليف الوقود والنقل إلى الأسعار. ويعد قرار بنك الاحتياطي الاسترالي بشأن أسعار الفائدة بعد غد الثلاثاء الحدث الأبرز، حيث تترقب الأسواق احتمال رفع الفائدة للمرة الثالثة على التوالي إلى 4.35%، وسط تقييم لتداعيات صدمة النفط. كما تصدر إندونيسيا بيانات الناتج المحلي الإجمالي مع توقع انكماش الاقتصاد في الربع الأول، بينما تنشر هونج كونج وسنغافورة بيانات اقتصادية مهمة في اليوم ذاته.
وخلال الأسبوع، تصدر بيانات التوظيف في نيوزيلندا والفلبين ومؤشرات التضخم في كوريا الجنوبية، إلى جانب مؤشرات مديري المشتريات في الصين والهند وسنغافورة، والتي ستوضح ما إذا كانت الشركات تمتص صدمة الطاقة أو تمررها إلى المستهلكين.
أوروبا وأمريكا اللاتينية
في أوروبا، بعد تثبيت أسعار الفائدة في كل من منطقة اليورو والمملكة المتحدة، يتحول التركيز إلى تصريحات مسؤولي البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية التي تقيس تأثير الحرب على التضخم والنمو. ومن أبرز الأحداث مؤتمر بنك إنجلترا يوم الخميس بمشاركة محافظه أندرو بيلي وكبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين، إلى جانب رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد وعدد من المسؤولين الآخرين. كما تصدر بيانات الأجور والتصنيع في منطقة اليورو، بما في ذلك الإنتاج الصناعي في فرنسا وألمانيا وإسبانيا. وفي سويسرا، يتوقع ارتفاع التضخم إلى 0.6% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ 2024، مما قد يقلل الضغوط على البنك المركزي للتدخل في سوق العملة.
في أمريكا اللاتينية، تشير التوقعات إلى نمو طفيف في اقتصاد تشيلي خلال مارس رغم استمرار ضعف الأداء في الربع الأول. كما خفضت توقعات النمو لعام 2026 إلى 2%. وفي كولومبيا، تترقب الأسواق محاضر اجتماع البنك المركزي بعد قرار مفاجئ بتثبيت الفائدة عند 11.25% تحت ضغوط حكومية، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا. ومن المتوقع أن تظهر بيانات التضخم لشهر أبريل ارتفاعًا طفيفًا مقارنة بمستويات مارس.
واختتمت بلومبرج تقريرها بأنه رغم تصاعد صدمة الطاقة العالمية، لا يزال الاقتصاد العالمي - وعلى رأسه الولايات المتحدة - يظهر قدرًا من الصمود، مع بقاء أسواق العمل مستقرة نسبيًا، بينما يظل التضخم الخطر الأكبر الذي تراقبه البنوك المركزية عن كثب.



