تتناول هذه المقالة حكم رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، حيث يختلف الفقهاء في هذه المسألة بين مؤيد ومعارض، معتمدين على أدلة من السنة النبوية الشريفة.
حكم رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة
أجاب الدكتور مجدي عاشور، المستشار السابق لمفتي الجمهورية، عن سؤال حول حكم رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، موضحًا أن السنة النبوية تواترت على استحباب رفع اليدين أثناء الدعاء مطلقًا، وهو من آداب الدعاء المتفق عليها. ولكن بالنسبة للدعاء أثناء الخطبة، فإن له حالتين:
- الحالة الأولى: عند دعاء الاستسقاء أو ما يدخل في معناه من الأمور المهمة كاشتداد الريح أو الزلازل، فالرفع في هذه الحالة مستحب اتفاقًا؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله قائمًا ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا".
- الحالة الثانية: رفع اليدين في الحالة العادية، أي في غير ما سبق ذكره، ومنه دعاء خطبة الجمعة. فهو سنة عند الجمهور في حق المأموم دون الإمام، وهو ظاهر تبويب الإمام البخاري حيث قال: «باب رفع اليدين في الخطبة».
وشدد عاشور على أن الأمر في ذلك واسع، وإن كان الراجح هو استحباب رفعهما في أي دعاء مطلقًا. وما ورد من عدم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه على المنبر إلا في الاستسقاء، فقد وردت أدلة كثيرة تعارضه، فضلًا عن كونه محمولًا على هيئة ورفع خاص، أي يجوز الرفع العادي المتعارف عليه عند الناس، وهو ما كانت اليدان فيه أمام الوجه أو أسفل منه. أما في الاستسقاء فالوارد فيه أن الرفع يكون لأعلى بحيث تعلو اليدين الرأس.
آراء الفقهاء في رفع اليدين في الدعاء
رفع اليدين في الدعاء عموماً سنة مستحبة يدل عليها أحاديث كثيرة، أورد بعضها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات، وأفرد لها الإمام البخاري كتاباً أسماه "جزء رفع اليدين". واستدل الإمام النووي في كتابيه الأذكار والمجموع شرح المهذب بجملة من الأحاديث التي تدل على هذه السنة، والتي تعبر عن انكسار المسلم بين يدي الله تعالى وهو يدعوه.
ومن الأحاديث الدالة على سنية رفع اليدين في الدعاء: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب"، وروى الترمذي وأبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين".
وأما حديث البخاري من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه"، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: "قوله (إلا في الاستسقاء) ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة"، ثم ذكر من أوجه رفع الإشكال عن حديث أنس حمله على المبالغة في الرفع، فيكون المعنى: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه رفعاً بليغاً حتى يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء.
وهذا ما عليه جماهير العلماء من المذاهب الفقهية المعتبرة:
- جاء في مغني المحتاج: "ويسن رفع يديه فيه -دعاء القنوت- وفي سائر الأدعية للاتباع".
- وقال الإمام النووي في المجموع: "عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى ورفع يديه وما في السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر من لحيته"، والمقصود أن يعلم أن من ادعى حصر المواضع التي وردت الأحاديث بالرفع فيها فهو غالط غلطاً فاحشاً.
- وقال الإمام العيني الحنفي في البناية شرح الهداية: "والرفع سنة الدعاء: أي رفع اليدين سنة".
- وقال الإمام النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: "وعلى الرفع -أي رفع اليدين خارج الصلاة- فهل يمسح وجهه بهما عقبه أم لا؟ والذي في الترمذي عن عمر بن الخطاب: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه".
- وقال الإمام البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: "ومن آداب الدعاء: بسط يديه ورفعهما إلى صدره".
ومن المواضع التي اختلف في رفع اليدين فيها: رفع خطيب الجمعة يديه أثناء الدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية، لحديث مسلم عن عمارة بن رؤيبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة". قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: "فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض".
وعليه؛ فرفع اليدين في الدعاء عموماً سنة مستحبة يدل عليها أحاديث صحيحة كثيرة، ورفع خطيب الجمعة يديه أثناء الدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية مسألة مختلف فيها، وقد اتجه رأي الإمام مالك والشافعية فيها إلى المنع، في حين روي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته، ولا حرج في الأخذ بأحد القولين. والله تعالى أعلم.



