على هاشم يكتب: عبد الناصر وزمانه.. الحرية الاجتماعية قبل السياسية
عبد الناصر وزمانه.. الحرية الاجتماعية قبل السياسية

حين يُستدعى اسم جمال عبد الناصر في سياق الحديث عن الحرية، فإننا لا نكون أمام تعريف نظري بقدر ما نقف أمام تجربة تاريخية حاولت إعادة صياغة معنى الحرية ذاته. لم يرها عبد الناصر مجرد آليات تمثيلية أو شعارات سياسية، بل ربطها بشروطها الاجتماعية: قدرة الإنسان على أن يملك قراره، وأن يتحرر من الخوف والحاجة والتبعية. من هنا جاء انحيازه الحاسم للفقراء والعمال، باعتبارهم القاعدة التي يُبنى عليها أي مفهوم حقيقي للحرية.

الحرية الاجتماعية جوهر المشروع الناصري

لقد أدرك عبد الناصر أن العامل الذي يكدح دون حماية، أو الفلاح الذي يعيش أسيرًا لعلاقات الإقطاع، لا يمكن أن يكون حرًا حتى لو مُنح حق التصويت. لذلك اتجه إلى إعادة هيكلة المجتمع اقتصاديًا، عبر تمكين الطبقات المنتجة ومنحها أدوات التنظيم والدفاع عن مصالحها. ومع ترسيخ الاحتفاء بعيد العمال، لم يكن الأمر احتفالًا رمزيًا، بل تعبيرًا عن انتقال العامل من الهامش إلى مركز الفعل الاجتماعي.

النقابات العمالية والقطاع العام

في هذا الإطار، لعبت النقابات العمالية دورًا محوريًا، ليس فقط كأطر تنظيمية، بل كقنوات تمثيل حقيقية داخل الدولة. كما جاء التوسع في القطاع العام ليشكل العمود الفقري لمشروع اقتصادي يهدف إلى خلق فرص عمل واسعة، واستيعاب طاقات المجتمع في عملية إنتاجية منظمة. لم يكن القطاع العام مجرد ملكية للدولة، بل كان تصورًا لدور الدولة كفاعل اجتماعي مسؤول عن إعادة توزيع الفرص والثروة، بما يسمح بتكوين طبقة وسطى واسعة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وهذه الطبقة، التي نشأت في ظل سياسات التصنيع والتعليم المجاني والتوظيف، لم تكن مجرد رقم في معادلة الاقتصاد، بل كانت حاملة لمشروع ثقافي وإبداعي أسهم في صعود مصر إقليميًا. منها خرج المهندس والطبيب والمعلم والفنان، ومنها تشكلت ملامح القوة الناعمة المصرية التي امتدت آثارها إلى العالم العربي وخارجه.

البعد العالمي لتجربة عبد الناصر

ولم يتوقف أثر هذه الرؤية عند حدود الداخل؛ إذ سرعان ما ارتبط اسم جمال عبد الناصر بحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فقد قدم نموذجًا لدولة تحاول أن تستقل بقرارها السياسي والاقتصادي، وأن تنحاز لشعوبها في مواجهة الهيمنة. ومن خلال دعمه لحركات الاستقلال، وخطابه الذي تجاوز الحدود، أصبح جزءًا من موجة عالمية تبحث عن العدالة والكرامة.

تناقضات المشروع

غير أن هذه التجربة، بكل ما حملته من طموح، لم تخلُ من تناقضات. فبينما سعت إلى تحقيق حرية اجتماعية واسعة، تعرضت الحريات السياسية لقيود واضحة، ما خلق جدلًا مستمرًا حول طبيعة الحرية وحدودها. لكن هذا التوتر ذاته يكشف جوهر المشروع: محاولة موازنة معقدة بين بناء الدولة وتحقيق العدالة من جهة، وإتاحة المجال السياسي من جهة أخرى.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

يبقى المشهد الأكثر دلالة هو ذلك الذي تجلى في جنازته عام 1970، حين خرجت الملايين في وداع جمال عبد الناصر. لم يكن الحزن مجرد رد فعل على رحيل رئيس، بل تعبيرًا عن ارتباط عاطفي بمشروع رأى فيه كثيرون تجسيدًا للكرامة الوطنية. في تلك اللحظة، بدا وكأن الجماهير لا ترثي رجلًا فقط، بل ترثي زمنًا كاملًا من الأحلام الكبرى.

الحرية ممكنة اجتماعيًا

هكذا يمكن قراءة تجربة عبد الناصر: مشروع سعى إلى أن يجعل الحرية ممكنة اجتماعيًا قبل أن تكون ممكنة سياسيًا، وأن يمنح العمال موقعهم في قلب الدولة، وأن يفتح لمصر أفقًا يتجاوز حدودها. وبين النجاح والإخفاق، ظل أثره حاضرًا، بوصفه أحد أبرز من حاولوا أن يعيدوا تعريف العلاقة بين الإنسان والدولة، وبين الحرية والعدالة. يقول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في إحدى خطبه: "الحرية ليس معناها بحال من الأحوال برلمانًا وقبة برلمان وشعارات ديمقراطية وإنما الحرية معناها حرية الفرد إذا استطاع أن يقول نعم، وأن يقول لا، هنا يبقى حرًا. لكن الفرد الملازم للأرض والملازم للإقطاعي واللي بيشتغل في الأرض مع الإقطاعي مثله مثل البهائم الموجودة عنده لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشعر بالحرية، ولا يمكن إلا أن يكون تابعا للإقطاعي، وتابعا لصاحب الأرض، يسير وفق هوى صاحب الأرض وليس لإرادته أي قيمة."

سيظل اسم وتاريخ عبد الناصر باقيا. طالما بقيت الحياة. وهو بلا شك أمر نادر!