تصويبات درويش: الفساد في التوقيع لا في المناقصة
تصويبات درويش: الفساد في التوقيع لا في المناقصة

لم أكن أتوقع أن تكون الرسالة الصوتية التي أرسلها إليَّ الدكتور أحمد درويش، وزير التنمية الإدارية الأسبق وأحد رواد مقاومة الفساد في المحروسة، تعليقاً على مقالة الأسبوع الماضي، وتصويباً لبعض الحقائق التي جاءت بها، بمثابة مشرط يعيد تشريح الموضوع من زاوية مختلفة تماماً. فهي لم تكن مجرد تصحيح لمعلومة، بل كانت نقلة نوعية في فهم طبيعة المشكلة ذاتها، وتحديداً: أين يجلس الفساد بالضبط في دورة التعاقد الحكومي؟

أوضح الدكتور درويش أن بوابة المشتريات الحكومية أُتيحت بالفعل منذ عام 2008، وأن المشكلة لم تكن في غيابها الكامل، بل في ضعف الالتزام بالنشر عليها؛ إذ كانت نسبة الالتزام في فترة سابقة تقارب الثلث فقط، أي نحو ثلاثة إعلانات من كل عشرة. وأضاف أن قانون المناقصات والمزايدات الجديد جعل النشر إلزامياً، بحيث يمكن الطعن على أي مناقصة لا تُنشر وإلغاؤها فوراً. هذا يعني أن الصورة التي رسمتها مقالتي السابقة، وكأن الرقمنة لم تبدأ بعد أو أن النشر المفتوح لا يزال مجرد اقتراح نظري، كانت تحتاج إلى تصحيح جوهري.

هذا التصويب مهم لأنه ينقل النقاش من سؤال: هل لدينا منصة؟ إلى السؤال الأهم والأكثر معنويةً: كيف يتسرب الفساد بعد النشر والترسية؟ وهو السؤال الذي لا تجيب عنه الأرقام الجميلة على الواجهات الإلكترونية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بحسب الدكتور درويش، فإن ترتيب مصر في جانب الإعلان والترسية ليس سيئاً على الإطلاق مقارنةً بدول مماثلة. المشكلة الأعمق لا تظهر عادةً عند إعلان المناقصة أو الترسية على أرخص سعر، بل عند مرحلة الاستلام والتنفيذ. فالمناقصة قد تُطرح بمواصفات دقيقة، ويفوز بها متقدم منخفض السعر، لكن الخلل يحدث لاحقاً حين يجري استلام منتجات أو خدمات لا تطابق المواصفات الأصلية، ثم يُوقَّع على الاستلام وكأن كل شيء تم وفق الأصول والتعاقد الأصلي. هنا يظهر الفساد في صورته الأكثر خطورة وخبثاً.. ليس رشوةً مباشرة في لحظة الإعلان، بل شبكة مصالح وعلاقات خفية بين المشتريات والمخازن والجهات المنفذة والرقابة الضعيفة، بحيث تتحول الوظيفة العامة إلى أداة للتربح من مراحل التنفيذ بعيداً عن أعين المراقبين.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ويضيف تصويب الدكتور درويش بُعداً آخر لا يقل أهمية وهو ضرورة أن لا يفقد الجهاز الرقابي قدرته على تتبع من قرر، ومن نفّذ، ومن راقب، ومن استفاد. وحتى لا تتحول ظاهرة تعارض المصالح من مجرد مسألة لا أخلاقية، إلى خلل هيكلي في حوكمة الإنفاق العام بأسره. الفساد الإداري يزدهر في المناطق الرمادية، وتعارض المصالح هو التربة التي تسمح له بالتمدد من دون ضجيج. ولا يكفي أن نُطالب بفترة تهدئة لانتقال المسؤولين إلى القطاع الخاص (3-5 سنوات)، بل يجب أن يرافق ذلك إلزامية الإفصاح عن العلاقات السابقة في أي عقد يُبرَم لاحقاً. فالفساد لا يتوقف بمجرد مغادرة المسؤول لمكتبه، بل كثيراً ما يكون مغادرته هي اللحظة التي يحصد فيها ثمار قرارات اتخذها خلال وجوده. هذا الركن الغائب الحاضر عن معظم تشريعاتنا والذي يلزم أن يؤخذ بكل جدية (إقرار الذمة المالية وإفصاح تعارض المصالح) والذي يطلب أحياناً من المسؤولين حين توليهم المسؤولية ولكن لا تتم متابعته بصورة دورية (إما سنوية أو كل سنتين) ولا يتم مطالبتهم بها حين مغادرتهم للمنصب.

إن أي معالجة جادة للفساد في المحروسة يجب أن تنتقل من التركيز الحصري على شفافية الطرح إلى بناء منظومة رقابة لاحقة على التنفيذ والاستلام مرتبطة بمساءلة شخصية ومؤسسية صارمة. المطلوب عملياً هو نشر دورة التعاقد كاملة دون استثناء: كراسة الشروط، معايير التقييم، اسم الفائز، قيمة العقد، التعديلات اللاحقة عليه، شهادات الاستلام، وأسباب قبول أي فروق بين المواصفات الأصلية وما تم تسليمه فعلاً.

ومن الناحية التقنية، يعني ذلك ربط لجان الاستلام بمنظومة رقمية مركزية تعتمد على تقنية (البلوكشين) على غرار ما طبقته دولة جورجيا في توثيق الملكيات العقارية، تحتفظ بسجل دائم غير قابل للتعديل أو الحذف. فحين يعلم المسؤول أن توقيعه على استلام ناقص المواصفات هو توقيع يُحفر في سجل رقمي لا يُمحى، يتغير حساب المخاطر تلقائياً. الرقابة الآنية على التنفيذ ليست رفاهية تقنية، بل هي القفل الذي يُغلق الثغرة التي نجح الفساد دائماً في النفاذ منها.

وفي ضوء تصويب الدكتور درويش تتضح القيمة الحقيقية لقانون حماية المبلغين: فهي لا تظهر في لحظة إعلان المناقصة حيث تبدو الأمور سليمة، بل تظهر تحديداً في حلقات التنفيذ والاستلام والمخازن، حيث يعرف المهندسون والمحاسبون والموظفون الفنيون تفاصيل الانحراف الفعلي بين الورق والواقع. ومن دون حماية قانونية فعّالة وحوافز جدية مستوحاة من قانون (Qui Tam) الأمريكي الذي يمنح المُبلِّغ نسبة من الأموال المستردة، سيظل هؤلاء يفضلون الصمت الآمن على مواجهة شبكات النفوذ الراسخة.

ولا شك أن عبارة "يا فلان، أنت في مصر" المقيتة والبغيضة والتي تكرّس لفكرة أن الأخلاق نسبية جغرافياً، هي الجدار الفاسد الأكثر صلابةً الذي يجب هدمه قبل أي قانون أو منصة رقمية. وتصويب الدكتور أحمد درويش ليس مجرد ملاحظة فنية على مقالة سابقة، بل هو دعوة للانتقال من خطاب التشخيص إلى عقلية الممارس الذي يعرف أين تقع العُقدة الحقيقية. وحين نجمع بين دقة التشخيص المؤسسي الذي قدّمه، وعمق التحليل الثقافي الذي كشفت عنه ظاهرة الرشوة الدينية التي كشفنا عنها، وصرامة الأدوات التشريعية والرقمية المقترحة، نكون قد رسمنا ملامح مشروع إصلاحي متكامل، لا يكتفي بجلد الضمائر، بل يبني منظومة تجعل النزاهة خياراً أسهل وأأمن وأكثر ربحاً من الفساد، لكل من المواطن والمسؤول على حدٍّ سواء.

فالمحروسة لا تحتاج إلى مزيد من الأبحاث تُثبت أنها مريضة. هي تعرف ذلك. ما تحتاجه هو جرأة الطبيب الجراح الذي يضع المشرط في المكان الصحيح، حيث يكمن الورم في العمق.