يبقى السؤال حاضرًا في وجدان كثير من المصريين: كيف تملك مصر كل هذه المقومات التاريخية والبشرية والجغرافية، ومع ذلك لا يشعر المواطن دائمًا بأن حجم الإمكانات ينعكس كاملًا على مستوى حياته؟ فمصر ليست دولة تفتقر إلى الفرص، بل دولة تملك فرصًا استثنائية؛ موقع يربط القارات، وسوقًا واسعة، وثقلًا حضاريًا، وأصولًا استراتيجية كبرى مثل قناة السويس، إلى جانب قاعدة شبابية ضخمة قادرة على العمل والإبداع إذا توفرت لها البيئة المناسبة.
البنية الأساسية: من التأسيس إلى العائد
خلال السنوات الماضية، اتجهت الدولة إلى تنفيذ مشروعات واسعة في البنية الأساسية من طرق ومحاور ومدن جديدة ومرافق، وهي خطوات لا يمكن تجاهل أهميتها، لأن الدول الحديثة تحتاج بنية قوية تستوعب السكان والاستثمار وتخفف الاختناقات التاريخية. وقد يكون كثير من هذا الإنفاق ضرورة تأخرت سنوات طويلة، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لم يعد فقط في البناء المادي، بل في كيفية تحويل هذا البناء إلى عائد اقتصادي واجتماعي يشعر به المواطن بصورة مباشرة.
فالطريق الجديد تكتمل قيمته عندما يقود إلى منطقة صناعية منتجة، والمدينة الجديدة تنجح عندما تتحول إلى مركز عمل وتعليم وخدمات، لا مجرد عمران حديث. والبنية الأساسية تصبح أكثر جدوى حين ترتبط بخطة إنتاج وتصدير وتشغيل. لذلك فإن السؤال لم يعد: ماذا بُني؟ بل ماذا سينتج مما بُني؟ وكيف تتحول الأصول التي أُنشئت إلى دخل وفرص وتحسن معيشي؟
الإنسان أولاً: التعليم والتدريب
وهنا تبرز أولوية الإنسان باعتبارها جوهر أي نهضة حقيقية. فالتعليم ليس بندًا خدميًا عاديًا، بل هو المصنع الأول لكل القطاعات الأخرى. المدرسة الجيدة تسبق المصنع الجيد، والجامعة القوية تسبق الاقتصاد التنافسي، والتدريب الفني المتطور يسبق الطفرة الصناعية. تجارب كوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرهما تثبت أن الاستثمار في المعلم والطالب والبحث العلمي كان نقطة الانطلاق قبل أن تظهر ناطحات السحاب أو المؤشرات الاقتصادية الكبرى.
وفي مصر، يمتلك الشباب طاقة كبيرة، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى مسارات واضحة. المطلوب ليس فقط توفير وظائف تقليدية، بل خلق اقتصاد يفتح مجالات جديدة في التكنولوجيا، والخدمات الحديثة، والصناعة المتقدمة، وريادة الأعمال. دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يكون من أسرع الأدوات لتوسيع الطبقة المنتجة، لأنها الأكثر قدرة على خلق فرص العمل والانتشار الجغرافي.
الزراعة والصناعة: ركيزتا الاقتصاد
كما أن الزراعة يجب أن تعود إلى قلب الأولويات، ليس فقط لأنها مصدر رزق لملايين الأسر، بل لأنها ترتبط بالأمن الغذائي واستقرار الأسعار وتقليل فاتورة الاستيراد. ومع عالم يشهد اضطرابات متكررة في سلاسل الإمداد، تصبح زيادة الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي قضية استراتيجية لا قطاعية فقط.
أما الصناعة، فهي الطريق الأكثر استدامة لزيادة الدخل القومي وقيمة العملة وتوسيع الصادرات. والمطلوب هنا بيئة مستقرة للمستثمر المحلي قبل الأجنبي، وتيسير إجراءات، وتمويل إنتاجي، وربط التعليم الفني باحتياجات السوق، وتشجيع الصناعات التي تمتلك فيها مصر مزايا نسبية، سواء في الصناعات الهندسية أو الدوائية أو الغذائية أو النسيجية.
العدالة الاقتصادية والاجتماعية
ولا يقل عن ذلك أهمية ملف العدالة الاقتصادية والاجتماعية. فالنمو الحقيقي هو الذي يشعر به المواطن في دخله وخدماته وفرصه. لذلك يصبح من الضروري توجيه الدعم لمستحقيه بكفاءة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العامة، وضمان تكافؤ الفرص بين المحافظات والمناطق المختلفة، حتى لا تتركز التنمية في بقع محددة بينما تبقى مناطق أخرى أقل حظًا.
استقرار الاقتصاد الكلي
كذلك فإن استقرار الاقتصاد الكلي يظل شرطًا أساسيًا لأي تقدم. خفض أعباء الدين تدريجيًا، وزيادة الإيرادات من الإنتاج والتصدير لا من الرسوم فقط، وتعزيز الثقة في السياسات الاقتصادية، كلها عناصر تمنح السوق قدرة أكبر على النمو وتخفف الضغوط عن المواطن. فكل اقتصاد قوي هو اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويصدر أكثر مما يستورد، ويستثمر في المستقبل أكثر مما يستهلكه الحاضر.
الرهان على التوازن الشامل
ومع كل هذه التحديات، فإن الصورة ليست مغلقة ولا متشائمة. فما تمتلكه مصر من حجم وسوق وموقع وكفاءات بشرية يجعل فرصتها ما زالت قائمة بقوة. وربما تكون السنوات القادمة هي الأهم: سنوات الانتقال من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة العائد والنتائج. من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل. من مرحلة التكلفة إلى مرحلة الجدوى.
الرهان الحقيقي إذن ليس على مشروع واحد أو قطاع واحد، بل على توازن شامل: عمران يستند إلى اقتصاد منتج، واقتصاد يقوم على تعليم قوي، وتعليم تحميه إدارة كفؤ، وإدارة تنجح حين يشعر المواطن بالعدالة والمشاركة والثقة. مستقبل مصر لا تحدده الموارد فقط، بل طريقة استخدامها. ولا تحسمه المشكلات الحالية وحدها، بل القدرة على التعلم منها. وإذا وُضِع الإنسان في مركز السياسات العامة، وأصبح الإنتاج أولوية، وتحققت إدارة أكثر كفاءة وتوازنًا، فإن ما يبدو اليوم تحديًا يمكن أن يتحول غدًا إلى نقطة انطلاق جديدة. فالدول الكبيرة قد تتعثر، لكنها حين تراجع نفسها بصدق، تنهض أسرع مما يتوقع كثيرون.



