منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، يعيش المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أزمة إدارية متصاعدة، بعد خلو منصب رئيس المعهد وعدم صدور قرار بتعيين رئيس جديد أو تكليف قائم بالأعمال يمتلك الصلاحيات القانونية والمالية اللازمة لإدارة شؤون المؤسسة العلمية العريقة.
وبحسب مصادر مسؤولة داخل المعهد، فإن الأزمة لم تعد تقتصر على الجانب الإداري فقط، بل امتدت لتطال ملفات مالية وبحثية وتشغيلية، في ظل غياب مسؤول يمتلك صلاحيات التوقيع المالي والإداري اللازمة لاعتماد الإجراءات اليومية وتسيير العمل بصورة طبيعية.
محاولات متكررة لحل الأزمة ووزارة التعليم العالي في غيبوبة
كشفت المصادر أن مسؤولي المعهد خاطبوا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، مطالبين بالتدخل العاجل لإنهاء حالة الفراغ الإداري التي يشهدها المعهد. وأضافت المصادر أن وفودًا من المعهد توجهت إلى مقر الوزارة في أكثر من مناسبة خلال الأشهر الماضية أملاً في عرض الأزمة بشكل مباشر على المسؤولين، إلا أن تلك المحاولات لم تنتهِ حتى الآن إلى حل نهائي، رغم تلقي وعود متكررة بقرب حسم الملف. وأكدت المصادر أن العاملين فوجئوا باستمرار الأزمة لأشهر متتالية دون صدور قرار بتعيين رئيس جديد أو تكليف مسؤول مؤقت لتسيير الأعمال.
أزمة التوقيع.. أصل المشكلة
تؤكد المصادر أن جوهر الأزمة الحالية يتمثل في عدم وجود مسؤول يمتلك صلاحيات التوقيع المالي والإداري اللازمة لاعتماد القرارات والإجراءات المختلفة داخل المعهد. وأوضحت أن غياب التوقيع المعتمد تسبب في تعطل عدد من الإجراءات المالية والتعاقدية والإدارية، وأثر على سير العمل داخل عدد من الإدارات والمشروعات المرتبطة بالمعهد. كما انعكس الوضع على بعض الملفات البحثية التي تتطلب موافقات أو إجراءات مالية وإدارية دورية لضمان استمرارها وفق الجداول الزمنية المحددة.
مستحقات متأخرة وضغوط معيشية
من بين أبرز تداعيات الأزمة، تأخر صرف عدد من المستحقات المالية الخاصة بالعاملين والباحثين، والتي تشمل بدلات وحوافز ومستحقات مرتبطة بطبيعة العمل والأنشطة البحثية. وقالت المصادر إن العاملين تحملوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية أعباء مالية متزايدة، خاصة مع تزامن الأزمة مع شهر رمضان المبارك وعيدي الفطر والأضحى، وما يصاحب تلك المناسبات من التزامات معيشية وأسرية إضافية. وأضافت أن العديد من العاملين ما زالوا يواصلون أداء مهامهم اليومية رغم تأخر صرف المستحقات، انطلاقًا من مسؤوليتهم المهنية وحرصهم على استمرار العمل داخل المعهد.
الباحثون يواصلون العمل رغم الأزمة
ووفقًا للمصادر، فإن العاملين في مواقع الرصد والمشروعات البحثية المنتشرة بالمناطق النائية والجبلية يواجهون صعوبات متزايدة نتيجة تأخر صرف المستحقات المالية والتمويلات المرتبطة بالمشروعات البحثية. وأشارت المصادر إلى أن هذه الظروف ألقت بظلالها على عدد من الأنشطة الميدانية التي تعتمد على التحركات والقياسات الحقلية وجمع البيانات من مواقع العمل المختلفة. ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن الباحثين والعاملين يواصلون أداء مهامهم في الوقت الحالي انطلاقًا من واجبهم الوطني والتزامهم باستمرار الدور العلمي الذي يقوم به المعهد.
محطات تعمل 24 ساعة
وتضم منظومة المعهد عددًا من محطات الرصد والمواقع العلمية المنتشرة في مناطق صحراوية وجبلية مختلفة، والتي تعتمد على فرق تشغيل ومتابعة تعمل بنظام النوبتجيات على مدار 24 ساعة يوميًا. وبحسب المصادر، فقد تأثرت مستحقات العاملين بتلك المحطات، بما في ذلك النوبتجيات والبدلات المرتبطة بطبيعة العمل المستمر، وهو ما تسبب في ضغوط إضافية على العاملين القائمين على تشغيل ومتابعة المحطات. وأكدت المصادر أن العاملين ما زالوا يواصلون أداء مهامهم التشغيلية رغم الظروف الحالية لضمان استمرار الخدمات والمهام العلمية التي تقدمها تلك المحطات.
مخاوف بشأن تأمين المحطات
وأشارت المصادر إلى أن مستحقات بعض العاملين المكلفين بتأمين المواقع والمحطات العلمية التابعة للمعهد تأثرت هي الأخرى خلال الفترة الماضية. وأوضحت أن عددًا من المحطات يقع في مناطق جبلية ونائية تحتاج إلى وجود عناصر تأمين بصورة مستمرة، للحفاظ على الأجهزة والمعدات العلمية الموجودة بها. وأثارت المصادر مخاوف من أن استمرار الأزمة لفترات أطول قد ينعكس على كفاءة منظومة التأمين والدعم اللوجستي بالمواقع البعيدة، خاصة في ظل الطبيعة الخاصة لتلك المحطات وما تحتويه من أجهزة ومعدات علمية متطورة.
شهادة من داخل المعهد: 90 يومًا بلا إدارة
وفي شهادة علنية حول الأزمة، قال الدكتور أمير حسين حسن، الباحث بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، إن المعهد يعيش حالة من العجز الإداري نتيجة عدم تعيين رئيس جديد أو حتى قائم بالأعمال منذ عدة أشهر. وأوضح خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "اليوم هنا القاهرة" مع الإعلامي محمد الدسوقي رشدي، أن المعهد لا يقتصر دوره على الأبحاث النظرية فقط، بل يعتمد بصورة أساسية على الأرصاد الحقلية والعمل الميداني داخل الجبال والمناطق المختلفة لرصد الزلازل والموجات الأرضية والمغناطيسية والكهربائية الأرضية. وأضاف أن غياب الإدارة يؤثر على حركة الباحثين والدكاترة داخل مواقع العمل الميداني، خاصة في ظل نقص الإمكانيات وعدم وجود سيارات أو تمويل أو توقيعات إدارية لازمة لتسيير الأعمال اليومية. وأشار إلى أن الأبحاث العلمية لا تتوقف بالكامل، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يعتمد على جمع بيانات ميدانية لا يمكن الحصول عليها دون دعم إداري ولوجستي. وأكد أن المعهد يضم عددًا كبيرًا من الأساتذة والباحثين القادرين على تسيير الأعمال بصورة مؤقتة لحين تعيين رئيس جديد، مشددًا على أن الأزمة لا تتعلق فقط بتعيين رئيس للمعهد، بل بضرورة وجود مسؤول يمتلك صلاحية التوقيع واتخاذ القرارات اللازمة لاستمرار العمل اليومي بصورة طبيعية. وقال إن استمرار غياب الإدارة لمدة تقارب 90 يومًا يثير تساؤلات عديدة، خاصة أن المعهد يؤدي دورًا استراتيجيًا في مجالات رصد الزلازل والأبحاث الجيوفيزيقية في مصر.
البحوث الفلكية مؤسسة علمية ذات دور استراتيجي
ويعد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أحد أعرق المؤسسات العلمية في مصر والمنطقة العربية، حيث يتولى مهام علمية وبحثية متعددة تشمل رصد الزلازل والدراسات الجيوفيزيقية والفلكية وتشغيل عدد من المراصد والمحطات العلمية المتخصصة. ويرى العاملون بالمعهد أن سرعة إنهاء حالة الفراغ الإداري أصبحت ضرورة ملحة لضمان انتظام العمل والحفاظ على استقرار الأنشطة البحثية والعلمية التي يضطلع بها المعهد.



